أثر الفراشة
لو أن فراشة هزت جناحها في مكان ما، قد تسبب اعصاراً في مكان آخر من العالم
معلومات المدون:
الإسم : باسمة القصاب
البلد : البحرين
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
لا أدري.. هل أنا فراشـــــــــــة.. أم أنا شيء من أثـــــرها..

:: قميص "لن نصمت"!

 

 

قميص لناشط سلام أمريكي من أصل عراقي، يثير مؤخراً زوبعة إعلامية وحقوقية في أمريكا. كان "رائد جرار" ينتظر إقلاع طائرته في مطار نيويورك، حين منعه موظف الأمن من ركوب الطائرة مالم يبدِّل قميصه الذي زعم أنه أثار الريبة عند بعض المسافرين. القميص لم يكن من ريبته شيء سوى أن عبارة كتبت عليه باللغة العربية تقول 'لن نصمت'. المنع ليس بسبب ما تقوله العبارة التي يحملها جرار احتجاجاً على السياسة التميزية ضد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، بل بسبب لغة الكتابة: "لا يمكن ارتداء قميص عليه كتابة عربية والذهاب به إلى المطار. إن ذلك يشبه ارتداء قميص كتب عليه أنا لص وتذهب إلى مصرف" هكذا احتج عليه موظف الأمن.

جرار الذي نشر بياناً بما حدث له في منتصف أغسطس الماضي، يعتزم رفع المسألة للقضاء. قال في مقابلة مع إذاعة نيويورك العامة: 'قضيت الجزء الأكبر من حياتي أعيش في ظل أنظمة حاكمة مستبدة, وأعرف أن هذه الأشياء تحدث. لكني أشعر بالصدمة أن يحدث لي هذا هنا في الولايات المتحدة.. اشعر بالحزن الشديد لسلب حريتي الشخصية مني بهذه الطريقة".

في مقابل قميص جرار وفي الفترة نفسها، ثمة قميص آخر مشاغب، هو لطالب أمريكي. "زاكري جيلس" رفع دعوى قضائية ضد إدارة مدرسته بعد أن حملته على حجب عبارة مكتوبة على قميصه (دون خلعه). العبارة تتضمن إساءة للرئيس الامريكي جورج بوش. حصل الطالب على حكم لمحكمة الاستئناف يسمح له بارتداء القميص (المسيء) في المدرسة. يرى جليس (كما نقل عنه والداه) أن حقوقه في حرية التعبير انتهكت عندما جعلته إدارة المدرسة يحجب أجزاء من قميصه تظهر فيها صورة لبوش محاطة بكوكايين وبشفرة موسى الحلاقة وشراب مسكر. اشترى جليس القميص من مؤتمر مناهض للحرب.

قميص جرار، وقميص جيلس، هما قميصان مختلفان. الأول هو قميص عربي شرقي، والثاني قميص أمريكي غربي. الأول قميص خجول يريد أن يبدأ بفك حصار صمته، أما الثاني فهو قميص جريء لا يهمه أن يسيء نطقه إلى حكومته.

القميص العربي، قميص متهم على أية حال. تكفيه لغته حين ينطق بها، لتدينه وتجعل منه نية مريبة مخيفة. متهم هو القميص العربي حتى لو لوّح بصمته، فكيف به وهو يلوح بأنه قرر أن "لن يصمت". القميص العربي عليه أن لا يخرج عن فعل الصمت الذي هو علامته. حين يقرر غير ذلك، يكون فعل أمراً مريباً. أن ترتدي قميصاً عربياً يشبه أن ترتدي قميص لصاً. لا فرق.

ارتداء القميص حق دستوري معترف به. لكنه في حال العربي حق مشكوك فيه "أنا أعيش في الولايات المتحدة، وحسب فهمي فهو من حقي أن أرتدي هذا القميص. لماذا تطلبون مني تغييره؟ أليس حقي الدستوري أن أرتديه؟ أنا على استعداد لتغييره إذا قلتم لي لماذا يتعين علي أن أقوم بذلك. هل لديكم أمر بالتصدي للقمصان العربية؟ هل هناك قانون ضد الكتابة العربية؟". هكذا يفهم جرار الحق الدستوري الأمريكي. لكن ليس هكذا يفهم رجل الأمن الحق الدستوري الأمريكي، وليس هكذا يفهم الناس الذين يمثلهم رجل الأمن هذا الحق "الناس هنا في الولايات المتحدة لا يفهمون هذه الأمور المتعلقة بالحقوق الدستورية". ثمة دستور غير موثق، هو ما تفهمه الناس. بهذا الدستور غير المكتوب، يجيب رجل الأمن. وبهذا يتراجع القميص الذي كان قد قرر أن لن يصمت. يضطر أن يصمت. أن يخلع نعاله (شعاره) ليتمكن من ركوب الطائرة.

حسب رويترز فإن شركة الطيران، قالت أنها تتحرى حقيقة الحادث الذي وقع في 12 أغسطس الجاري. وقالت اللجنة الأمريكية العربية لمكافحة التمييز: إن وزارة النقل الأمريكية وإدارة أمن وسائل المواصلات يحققان في الحادث قبل أن تقدم اللجنة شكاوى بالإنابة عن جرار. أي أنه الشركة قد تحاكم، وقد يحاكم رجل الأمن إذا ثبت انتهاكهما للحق الدستوري الأمريكي. هذا الحق يكفل حرية العرق والدين واللغة. لكن من الذي سيحاكم الفهم السائد "الناس هنا في الولايات المتحدة لا يفهمون هذه الأمور". من يحاكم أن الناس لا يفهمون سوى أن القميص العربي نطق أو صمت، هو قميص مريب على أية حال.

القميص إذا ابتلى بكونه قميصاً عربياً أو شرقياً، فإنه يدخل مباشرة في محور الشر، ويمسه من ويلات الشر ما لا يفكه منه صمتٌ ولا قول. هذا القميص المنكوب هو نفسه القميص المريب، وهو نفسه القميص اللص، وهو نفسه قميص الارهاب، وهو نفسه قميص الشر، وهو نفسه القميص الفاشي، وهو نفسه القميص الهمجي.

 يكفي القميص أن يكون شرقياً لتنطبق عليه كل هذه المواصفات. أنه القميص الذي ينبغي أن يمزق أو يخلع أو يستبدل بآخر جديد تشتريه له أمريكا، كما فعلت موظفة في شركة الطيران مع جرار، حين تدخلت من أجل حل المشكلة، فقامت بشراء قميص جديد من المطار بدل قميص جرار (المُشكل). بهذه التدخلات الأمريكية في اللحظات الحرجة، تحل المشاكل العالقة. الحل دائماً يأتي بهذه البساطة. استبدال القميص الشرقي بآخر أمريكي جديد. الشرقي حين يرتدي قميص أمريكي، يصير شرقياً جديداً. وحين تكون أمريكا هي من يشتري له هذا القميص، يصير شرقياً شبه أمريكياً. لعله بهذا الاستبدال يصير مقبولاً بعض الشيء، في الوسط العالمي والأمريكي.  

القميص الأمريكي هو الوجه المقابل للقميص العربي أو الشرقي. هو نفسه قميص الخير، وهو نفسه قميص السلام، وهو نفسه قميص الحرية، وهو نفسه قميص الديمقراطية، وهو نفسه قميص العدالة. إساءة القميص الأمريكي مسموح بها. فالقميص الأمريكي قميص حر ومريد.

القميص الأمريكي يجرح شعوره حين يُحمل على حجب عبارة مسيئة لبوش. لكن القميص العربي ليس له شعور ليجرح حين يرغم على إخماد شعاره الذي رفعه ضد الصمت. بل أنه يجرح شعور الآخرين حين لا يستبدل نطقه بقميص صامت.

 إساءة القميص الأمريكي للغير حق مكفول دستورياً، وشعار القميص العربي باطل يزعج الناس. تنتهك حرية القميص الأمريكي حين لا يسمح له أن يعلن عن سخطه واستيائه وغضبه، حين لا يسمح له أن يعبر عن رأيه في رئيس أكبر قوة في العالم. حين لا يقبل منه أن يرى إليه أنه مدمن سابق للكحوليات والكوكايين. حين لا يسمح له أن يناهض الحرب التي جره إليها رئيس لا يعترف به. أما القميص العربي والشرقي فهو ينتهك حرية الآخرين حين يقرر أن يعلن عن أن ثمة موقف ضد أمريكا " لن يصمت" فيه .

هكذا يصير القميص علامة. كما كان قميص يوسف علامة. علامة تلصق التهمة على من يراد له أن يكون مجرماً. علامة تنفي التهمة عمن يراد له أن يبقى بريئاً. ترى لو جعل قميص يوسف على صدره شعار " لن أصمت"،  لو نطق قميص يوسف، ماذا كان سيقول؟

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية