نعيش هذه الأيام طمراً متعمداً ومخططاً له لفضيحة تقرير البندر. نجحت الحكومة (نعم بكل قهر وإحباط وغضب أقول نجحت) في إخماد الرأي العام وتكميمه إزاء هذه القضية. ها هي الحكومة تمنع الصحافة من نشر كل ما يتعلق بهذه القضية. وها هي الصحافة تجر أذيالها خائبة منصاعة مكرهة (أعلم أن ليس لها سوى الانصياع) فتوقف كل ما بدأته من تحركات حذرة، كانت تستهدف إلقاء الضوء على تفاصيل بندرية من هنا ومن هناك. بحركة المنع هذه، تمكنت الحكومة من السيطرة على الأصوات الإعلامية والوطنية الجريئة التي بدأت تهز الرأي العام. نجحت الحكومة في تكميم الأفواه بشريط لاصق رسمي، حجته قانونية. كانت تلك هي اللعبة الأولى التي مارستها الحكومة لإخفاء فضيحتها رسمياً، وقد نجحت في ذلك. لكن ساعدها أكثر على ذلك الطمس (أقول ساعدها وقواها وعززها وشاركها ومكنها وأتاح لها وسهل لها وبسط لها..وو)، موقف الجمعيات السياسية وصمتها المخزي (أقول المخزي والمخجل والمشين والمهين والرخيص والمذل والمؤسف..ووو، ولكم أن تزيدوا على قائمتي ما شئتم ولن تبخسو صمتها حقه). تلك التي تسمي نفسها جمعيات معارضة، تحولت اليوم إلى جمعيات مغازلة أو ملاطفة أو التماس أو مصالحة، وربما صارت جمعيات مشروع إصلاح جديدة. شاركت هذه الجمعيات (أقول شاركت وساعدت وقوت وعززت ومكنت وأتاحت وسهلت..و، ولكم أن تزيدوا على قائمتي ما شئتم ولن تبالغوا) في قتل ملف الفضيحة، في تمويهه وتعتيمه، في طمسه ودفنه قبل أن تقوم قيامته، قبل أن تبعث حقيقته، قبل أن تحشر أطرافه المتهمة، قبل أن يزج بها جهة المسائلة والعقاب، قبل أن يحدث أي شيء ولا شيء.. نعم، قامت قيامة هذه الجمعيات (أقول قامت وهاجت وماجت واستعرت واستترَّت واستشاطت وغضبت وثارت وفارت..وو ولكم أن تزيدوا على قائمتي ما شئتم ولن تبالغوا)، قامت قيامة هذه الجمعيات على شيء واحد فقط هو "الانتخـابـات". القيامة هي السقف. نحن نعمل وعيوننا على قيامتنا. على سقفنا. ولكلٍ قيامته. لذلك نحن نرى الأمور ونفهمها ونعيها ونقبلها أو نرفضها بقدر ما تمس قيامتنا. حين أقول أن الجمعيات السياسية صارت قيامتها الانتخابات، فذلك لأنها لم تعد ترى أبعد من الانتخابات، ولم تعد تتعاطى مع الأشياء إلا بمقدار ما تمس انتخاباتها فقط. سقف قيامة الجمعيات السياسية، جعلها تبصر في تقرير البندر فقط ما يمس هذه الناحية، فراحت تطالب باستبعاد أسماء بعينها وتغيير طاقم عمل انتخابي ومنع تصويت الكتروني..الخ. وهي مطالب تنبئ عن سقف قيامة منخفض. مطالب هشة (أقول هشة وركيكة وضعيفة وآنية وقصيرة النظر وتسكيتية ومؤقتة وصاحبة مصلحة، ولكم أن تزيدوا على قائمتي ما شئتم ولن تزيدوها هشاشة). قيامة هذه الجمعيات أعمت عيونها عن أن تريها الخطورة بعيدة المدى لذلك المخطط، أعمتها قيامتها عن أن تتخذ موقفاً ضاغطاً على الحكومة، ذلك أن أخشى ما تخشاه الحومة هو انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات الثانية، أخشى ما تخشاه هو استمرار المقاطعة. لكن لم تستغل الجمعيات السياسية (المعارضة) حتى هذه الورقة للضغط باتجاه طلب كشف الحقيقة، بل أعمتها قيامتها عن أن ترى غير ورقة مشاركتها. وجرفتها كالسيل في مسار آخر مداه قصير. قصير جداً. في دوامة انشغال الجمعيات بقيامتها الصغرى، تجاهلت الجمعيات السياسية (أقول تجاهلت وتركت وأعرضت ونست وأغفلت وأهملت ولم تبال..، ولكم أن تضيفوا على قائمتي ما شئتم فلن تزيدوها جهالة)، جهلت هذه الجمعيات، ولن أقول تجاهلت، القيامة الكبرى التي أثارها تقرير البندر، ولم نر لها تحركاً إلا فيما يخدم قيامتها الصغرى، لا فيما يصب في قيامة البلد الكبرى. فها هي تنظم مسيرة كبرى ضد التجنيس السياسي (الذي يمس الانتخابات)، لكنها تهمل أن تنظم مسيرة كبرى ضد الفضيحة التي تمس كامل الوطن وتضرب كامل الوطن. وها هي "الوفاق" تلف قرى البحرين تحمِّي شوارعها للمشاركة في الانتخابات، لكنها لم تحمِّي شوارع البحرين للتنديد بالمؤامرة والغضب ضد السكوت المخيف تجاهها. وها هي تلجأ إلى تسويغ مشاركتها في الانتخابات وإكسابها الشرعية الدينية بتأييد من خطب علمائية، لكن لم نجد صوتاً شرعياً يخوِّن هذه المؤامرة أو يندد بها أو يحرج سوءتها الدينية والدنيوية.. أقول.. لا نعرف إلى أين تأخذنا قيامتك أيتها الجمعيات السياسية.. لكن ما نعرفه هو أننا نريد لقيامتنا سقفاً رفيع المستوى..
الاثنين, 16 اكتوبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








