أثر الفراشة
لو أن فراشة هزت جناحها في مكان ما، قد تسبب اعصاراً في مكان آخر من العالم
معلومات المدون:
الإسم : باسمة القصاب
البلد : البحرين
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
لا أدري.. هل أنا فراشـــــــــــة.. أم أنا شيء من أثـــــرها..

:: سواد الشارع.. وعقد القوى المتنافسة

 
   
 .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
متى كان البرلمان تشكيلاً أهلياً يقرّه الشارع، صار محل ثقة الشارع وإجماعه. يُعرِّف جمال الدين الأفغاني الديمقراطية بأنها "الاشتراك الأهلي بالحكم الدستوري الصحيح. وأن أي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو أمير أو قوة أجنبية هو قوة نيابية مزعومة"[1].
يفقد البرلمان قدرته على الإنابة الفعلية عن الشارع في حال عدم تمثُّله حكماً دستورياً مقبولاً من قبل الشعب. ويصير قوة مزعومة إذا صار برلمان أمر لا برلمان تعاقد.

عَقْدُ الشارع
يمتاز الشارع أنه أشبه ببرلمان تعاقدي، يتشكل وفق لعبة لها قواعدها وأنظمتها المتعارف عليها بين الأطراف اللاعبة. يتحرك الشارع وفق مجموعة من العناصر المتشابكة: المواقع والسلطات والمواقف والخيارات والمصالح والاستراتيجيات والرهانات والاستثمارات، تلك التي يفهم بها بورديو حقله المجتمعي. الشارع حقل يمتلئ بحركة المجتمع ولعبه السياسي والاجتماعي والثقافي.
لكي ينتخب الشارع ناشطيه أو فاعليه الاجتماعيين، هناك اشتراطات خاصة يجب توافرها: الفاعل المُنتخب يجب أن يكون عارفاً بأعراف هذا الوسط أولاً، ومعترفاً به داخل هذا الوسط ثانياً.
في الشارع الديني الشيعي مثلاً، يحصل الفاعل الاجتماعي على حق تمثيل هذا الشارع، حال كونه ابناً له، داخلاً في عمق تركيبته الدينية، متذوقاً لأعرافه وحساسياته الدينية ومشتركاً معها، لديه مواقفه المتميزة في تناول قضايا الشارع، ولديه طرحه الجريء واستثماره النوعي لرهانات الشارع السياسية.
مثل هذه الاشتراطات المعرفية تكسبه شرعية الاعتراف والقبول داخل هذا الوسط. الأمر ذاته يحصل في اختيار ممثلي الشوارع الأخرى في الأوساط الأخرى.
بهذا التعاقد تنشأ العلاقة بين الناخب والمُنتَخََب، بين سواد الشارع وقيادييه، يمثّل الشارعُ قيادييه ليمتثل لهم. وأي تقاعس يلحظه الشارع على الفاعل، أو أي إخلال بشرطي المعرفة والاعتراف، يحلاّن العقد الرمزي بين الفاعل والشارع، وقد يسقط الفاعل من عين الشارع.

قبّة الشارع
الشارع ينتخب ممثليه من داخل قبة البرلمان الرسمي أو خارجه. يختار فاعليه الاجتماعيين الذين يعترف بهم ليكونوا (هو) متكلِّمة في برلمان شارعه. تمثِّل هذه ال(هو المُنتَخَبَة) صوت ال(هو المنتَخِبة)، التي تتعرض بدورها لمحنته ومعاناته، وتعمل على مشاركته تغيير واقعه واستبداله نحو الأفضل الذي يرتضيه.


يتصرف الشارع بوصفه محتاجاً إلى قادة ملهمين يشيروا عليه بما يجب فعله في المواقف التي تعترضه وفي مواقع الاختلاف "يبقى أن هذه القضية من اختصاص العلماء ونحن طوع أمرهم بإذن الله تعالى .لسنا شعباً مقطوع الجذور ولا شعباً يتنكّر للمسلمات الشرعية من أنّ قيادة الأمة بيد العلماء المجاهدين المخلصين الواعين والذين لا يخلو منهم بلد إسلامي واحد فضلاً عن بلد العلماء، بحرين العلم والولاء" [2]
يُتوقع بالمقابل من القائد الذي انتُخب وفق اشتراطات الشارع، أن يُملي على الشارع ما يفعله "هل سنلبس الأكفان يا سماحة الشيخ عيسى، مجلس الوزراء يحيل قانون الأحوال الشخصية للبرلمان؟"[3].
يضع الشارع نفسه رهن إشارة وطوع قيادته " ما تُحدّده لنا القيادة العلمائية وعلى رأسها العلامة الكبير سماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم (دام ظله) سيكون هو المُتبّع سواء كان لبس الأكفان أم غير ذلك"[4].
بهذا يصبح للشارع قبّة برلمان خاص. وتصير برلماناً لا يعترف بتمثيل قبّة البرلمان العام.
معكم معكم..
لكن لماذا هذا الاندفاع لقيادة تلهم الشارع؟
يرى البعض أنه "كلما زاد الشارع انفجاراً في بلد ما فهذه إشارة إلى أن المؤسسات التمثيلية الدستورية في هذا البلد معطّلة ومقيدة ومزورة كذلك"[5].
كلما تعطلت المؤسسات التمثيلية الدستورية أو قُيدت، وصارت لا تلبي حاجات الشارع وواقعه، وأصبحت تتلكأ في حلحلة متطلبات وجوده الاجتماعي، وتركت قضاياه معقدة بسبب تراكمها، كلما نأى الشارع بنفسه عن هذه المؤسسات، واعتبرها مؤسسات وهمية لا تمثله، ولجأ إلى قياداته الميدانية – التي غالباً ما تكون دينية مذهبية- لتنتصر له.
وكلما توترت العلاقة بين طائفة من الشعب والسلطة، زاد اندفاع هذه الطائفة نحو قيادتها المعترف بها في أوساطها، تسألها، تشكوها، تسترشدها، تطلب دعمها وعونها ومشاركتها، فيعلن الشارع ( معكم معكم ياعلماء) [6]..
البرلمان هو المؤسسة التي تنظم العلاقة بين السلطة وممثلي المجتمع. والمجتمع هو تركيبة معقدة من الجماعات والطوائف والأطياف والأفراد، الشارع يرينا علاقة الجماعات بالسلطة من جهة، كما يرينا علاقة الجماعات ببعضها البعض من جهة أخرى، ويكشف لنا قدرة السلطة على إدارة هذه العلاقات أو استثمارها لصالحها أو لصالح المجتمع.

تنافس المشروعية
في برلمان الشارع، تحاول كل واحدة من القوى المتنافسة -ولن نقول المتصارعة- إسباغ المشروعية على نفسها، تقوم بما يسميه بورديو احتكار المشروعية المتعلقة بمعرفة الحقيقة، وقول الحق، وتمثيل المصلحة العامة، والنطق باسم الهوية أو الدين أو اللغة أو العرق أو الطائفة أو المذهب، وامتلاك مفاتيح السعادة والخلاص. من هنا يصبح المجتمع بنية لا تنفك عن توليد التفاضل والتمايز بين ساحاته وأوساطه وقواه المختلفة [7].
الشارع فضاء اجتماعي تتحرك فيه كل القوى الفاعلة. بهذه الحركة تكتسب القوى شرعيتها وتحقق وجودها وتثبت أفضليتها وفاعليتها. لذلك فهي ليست فقط تعبر عن رأيها من خلال الشارع، بل إنها تستعرض ما تملكه من القوى والجاهزيات كذلك. القوى الأكبر في نظر الشارع، هي تلك القادرة على تحريك سواد الشارع الأعظم. هي من تملك تحريكه بإشارة يدها حين تأمره، هي من تملك إلباس الشارع الأكفان وقتما أمرت بذلك.
تتأجج حمّى قوى الشارع كلما استجد صراع بينها وبين السلطة. حين تختلف القوى السياسية مع السلطة حول قانون أو قرار. تهتم بأن توصل رسالتها للسلطة. تبين فيها قوة نفوذها وسعة مساحتها. تقوم القوى السياسية باستنفار أتباعها وتحريكهم وتحشيدهم. في مسيرة سترة الدستورية التي دعت إليها جمعية الوفاق الإسلامية بتاريخ 25 مارس 2005م، بلغ عدد المشاركين 100 ألف حسب المنظمين. اعتبرت هذه المسيرة في ذلك الوقت واحدة من أكبر المسيرات التي شهدتها البحرين.

صوت الواجب الشرعي
الشارع الديني الشيعي يكثف حضوره أيضاً، استجابةً لدعوة الشيخ عيسى قاسم (أحد أكبر قياداته الدينية)، وتلبية لما أسماه بـ (صوت الواجب الشرعي)، ومن أجل (حماية الأعراض التي تبذل من أجلها الدماء والأموال)، ولكي لا يكون( شيطاناً أخرس) [8]. خرج الشارع في مسيرة حاشدة، كثافة حضور ومشاركة أكبر. 150 ألف مشارك حسب المنظمين، في المسيرة المنظمة من قبل المجلس العلمائي، المناهضة لقانون الأحوال الشخصية الشيعي بتاريخ 9 نوفمبر 2005. بهذا يأتي عدد المشاركين الجديد ليحطّم الرقم القياسي السابق، وليعلن عن قوة نفوذ المجلس العلمائي في الشارع الديني الشيعي.
لم يقف العدد عند هذا الحد، فقد بلغ ذروته في سخط الشارع على أحداث المراقد المقدسة في سامراء. 200 ألف مشارك حسب المنظمين، شاركوا في مسيرة "لبيك يا إمام" المنظمة من قبل المجلس العلمائي الشيعي بتاريخ 25 فبراير 2006 ، التي تم تأكيد الدعوة فيها على المشاركة العائلية بمن فيهم الأطفال.
بهذا يبرز وجه الشارع البحريني بوصفه ساحة تنافس وصراع بين القوى السياسية والاجتماعية المختلفة، وبوصفه ميدان تجاذبات قواه المختلفة ومواقعها ومواقفها وخياراتها ومصالحها ورهاناتها وصراعاتها وتنافساتها واستقواءاتها واستثماراتها المختلفة. وبهذه الحالة المعقدة من وصف الشارع، يمكن أن نعتبر الشارع برلماناً يقول عن حقيقة المجتمع بقدر ما يقول عن طبيعة القوى الفاعلة فيه.

[1] الشارع العربي، شاكر النابلسي
[2]،[3]، [4] من حوارات الشارع في أحد المنديات الألكترونية
[5] الشارع العربي، شاكر النابلسي
[6] يمكن الرجوع إلى تقرير الوقت حول شعار " معكم معكم ياعلماء"
[7] علي حرب، أصنام النظرية وأطياف الحرية.
[8] راجع خطبة الشيخ عيسى قاسم في الدعوة إلى المسيرة المناهضة لقانون الأحوال الأسرية.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية