أثر الفراشة
لو أن فراشة هزت جناحها في مكان ما، قد تسبب اعصاراً في مكان آخر من العالم
معلومات المدون:
الإسم : باسمة القصاب
البلد : البحرين
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
لا أدري.. هل أنا فراشـــــــــــة.. أم أنا شيء من أثـــــرها..

:: الشارع البحريني بين نقاوة الماء وانجرافة المسيل

 
  .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عندما فتحت "بروفايل" ملف " الشارع البحريني" مع مجموعة المهتمين والناشطين، وجدت نفسها أمام صعوبة كبيرة، في الوصول إلى رسم صورة جانبية مشتركة لهذا الشارع، أو لا أقل من رسم ملامحه الخارجية، دون الانزلاق مباشرة إلى تفاصيله المتشابكة. "بروفايل" التي يعنيها الدخول إلى الشيء من خلال صورته الجانبية، وجدت أن الصعوبة هنا لا تكمن في فهم قاصر للشارع، بل في كون الشارع مفهوماً ملتبساً أصلاً. الشارع بما هو مفهوم متحرك ومتحول ومتغير ومتقلب، والتباسته تكمن في تعقيد حركته وتغيراتها وتعقيداتها وتحولاتها، كما تكمن في تعقيد محركاته ومكوناتها وخصائصها. تكمن التباسة الشارع في سيلان عناصره وامتزاجها وتداخلها واختلاطها. كل هذه وغيرها، تجعل من تحديد الشارع أشبه بتقييد مستحيل للماء. لكن رغم ذلك، فإن في تفاصيل الاختلاف والتعقيد التي وقعنا فيها، ثمة إشكالات كثيرة وكبيرة، فتحها نزولنا معاً إلى شارع الماء..

مـا الشارع؟ أم مـاء الشارع؟
الكاتب الصحفي محمد العثمان، يحاول تنظيم حركة سيرنا في الشارع لغوياً "تعبير الشارع لغة، هو انتظام الناس في حركة معينة، قد تكون حركة عشوائية في تفاصيلها إلا أنها آمنت بطريق عام واحد. قد يكون لها قائد أو تقود بعضها بعضاً، لذلك التقت في هذا المكان المسمى الشارع".
الكاتب الصحفي نارد المتروك، يحيلنا على معنى شعبوي للشارع "مفهوم الشارع غالباً ما يُحيل رأساً على المعنى الجماهيري، بما ينطوي عليه من مبادرات أو انتفاضات أو خروجات أو انعكاسات غير محسوبة أو غير منتظرة أو غير مخطّط لها نخبوياً"
الناشط الحقوقي عبد الهادي الخواجة يدخلنا على معنى عفوي للشارع "الشارع - بالنسبة لي - هو المكان العام الذي يلتقي فيه الأفراد بشكل غير مخطط أو منظم. يتصل فيه الأفراد بأثقال وخلفيات متجانسة أو مختلفة. الفعل الجماعي في الشارع هو فعل عفوي وتعددي وليس فعلاً ممأسساً أو منظماً(...). عندما تقوم مؤسسة أو جماعة باستخدام فضاء الشارع، عندما تقوم (بتحييز) حيزه المادي، فان ذلك يفقد الشارع مؤقتا صفته الأصلية الطبيعية" .
نحن إذن أمام "حركة عشوائية في تفاصيلها"، "غير مخطط لها نخبوياً"، "أفعال جماعية عفوية". هل تحيلنا هذه الأوصاف على شارع عشوائي منفلت متخبط فوضوي لا مسؤول؟ يستدرك الخواجة "الشارع لا يعني بالضرورة الفوضى مقابل التنظيم، والفرد في مقابل الجماعة، والتنوع في مقابل الانسجام، فقد تكون حركة الشارع أحيانا أكثر تنظيما، وقد يكون الناس فيه في ظروف معينة أكثر انسجاما (...) . يميز الشارع عفويته وتحرره من القيود الجماعية التي التي ترسخها مؤسساته .المكان والبيئة والظرف الزماني واللحظة السياسية والحالة النفسية والاجتماعية والأثقال الثقافية أو الآيدلوجية جميعها تلعب دوراً هاما في تشكيل الشارع وفي توجيهه، وجميعها تحدد إن كان الشارع منساقاً متأثراً وغير فاعل، أو أن يتحول الى مكان للتفاعل والتداخل باتجاه الفعل الجماعي سواء الايجابي أو السلبي، باتجاه الإنسجام أو التصادم "
ما أسماه الخواجة بـ(طبيعة الشارع) قد يكون هو نفسه ما وصفه النائب البرلماني محمد آل شيخ، بالإرادة النقية للشارع، يقول آل شيخ "الشارع هو ارادة الشعب الصافية النقية والخام، الشارع هو الذي تشير له جميع دساتير الدول العربية والدول غير الديمقراطية في أول مادة دستورية على اعتبار أنه مصدر السلطات جميعاً، (...) ورغم كونه أول مادة في الدساتير لهذه الدول، إلا أنه المعطل والمقموع بحزمة من القوانيين والتشريعات التي تسمح بتوالد وتعشيش الفساد. الشارع النقي (غير الملوث) بشوائب التسيس والأدلجة، المتحرر من التوجهات، الرامي إلى تجسيد وحدة الأمة، هو الشارع الذي ينتج إرادته، وهو الشارع الذي ينتج تحرره من الهيمنة والقمع".

شـــارع خــام
يتطلع آل شيخ إلى شارع مشرِّع مريد منتج هو مصدر السلطات جميعاً، وفوق هذا وذاك، شارع نخبوي يدير نفسه بنفسه، شارع فوق سلطات الأدلجة والتسييس. شارع خــام. ويتطلع الخواجة إلى شارع غير ممأسس، متحرر من قيود مؤسساته الجماعية.
لكن، "هل هناك شارع نقيّ، خالص، متحرّر من "شوائب" التسييس، والأدلجة، والتوجّهات؟!" بهذا السؤال يعلق نادر المتروك ويضيف "هل ثمة شارع خــام؟ وحين يكون مكان ما، جوّ ما، ظرف ما.. بمثل هذا النقاءُ الأبيض والبريئ؛ فهل يبقى شارعاً مشروعا (مفتوحا) على كلّ المخاطر والمفاجآت؟!". يدير المتروك تساؤلاته من زاوية أخرى: "هل التسييس، والأدلجة، والتوجيه المجنّد والمؤجند (من الأجندة).. هي حالات تلويثية بذاتها وضدّ النقاء؟! الحديث عن شارع نقي، كما أقرأ، يمثل وجهاً إضافيا للمشكلة المزمنة في قراءتنا للشارع".
هذا الحضور المتباين لصور الشارع: الشارع الخام. الشارع النقي. الشارع الملوث. الشارع الأبيض. الشارع غير المنظم. الشارع المخطط له. الشارع غير المخطط له. الشارع المنظم. الشارع العشوائي. الشارع المؤدلج. الشارع المسيس..الخ.. هي حضورات مجازية مشحونة ومكتنزة بتفاصيل دقيقة وخطيرة وجوهرية في فهم الشارع. صور الشارع السابقة تنقل القلق الذي يقفز إلى الذهن مباشرة حين تمر أمامه مفردة الشارع. تضعنا هذه الصور أمام كتلة من التساؤلات التي ترغب في حصر هذا الشارع وتحديده أكثر: هل الشارع هو جملة المسيرات والتظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات والعرائض والاحتفالات؟ هل تندرج ضمنه الجمعيات والمؤسسات الأهلية؟ هل تمثله الندوات والمؤتمرات وحركة المنتديات الالكترونية والكتابات الصحفية والاعلامية ووو؟ هل هو كل ذلك أو غير ذلك؟ هل هو الحركة الظاهرة التي لها صوت يجلجل أم أنه يشمل الفئة التي لا صوت لها؟.

فئـة: لا صوت لـها
في نزوله معنا للشارع، يقول الدكتور حسن يوسف كمال الأستاذ المساعد بجامعة البحرين "لوسئلت قبل ثماني سنوات عن الشارع البحريني لقلت انه – هكذا بتعميم عاطفي – شارع قلق مضطرب. لكانت قفزت الى ذهني صورة الشارع الأعلى صوتاً، الشارع المائج المزدحم المليء بالاختناقات. اليوم الوضع مختلف. الشارع هو ذلك وغير ذلك. الشارع الذي يبدو مهجورا غير مطروق والذي نسقطه من حساباتنا دائما، سجل حضورا موثقا على الورق قبل أربع سنوات بنسبة كبيرة". (...) هناك أيضاً فئة لا صوت لها، هذه الفئة غير مسجلة في كشوف الجمعيات ولاتملك أعمدة في الصحف ولا تجيد الضرب على لوحة المفاتيح أو المسك بفأرة تنقلها من منتدى الكتروني الى آخر".
فئة لا صوت لها؟ هل يمكن معرفة المجتمع من خلال لا صوته؟ وأي شيء سنعرف عن مجتمع صامت سوى أن لا صوت له؟ الشارع علامة تدل على المجتمع، عندما نريد أن نعرف خصائص مجتمع ما، فإننا نأتيه من شارعه، من حركته، من أناسه المتكلمون. هل اللا صوت يُعلم عن قضايا المجتمع ومشاكله؟ هل اللا صوت يصوت لصالح تعديل أوضاع المجتمع؟ هل اللا صوت يقول كيف يفكر المجتمع؟. قد يكون لـ(اللا صوت) تفسيرات كثيرة وتأويلات وتحليلات، لكنه رغم ذلك، لا يدلنا على المجتمع، لا يستوقفنا، الصمت يضللنا، يوهمنا، يخدعنا. الشارع الناطق يسمعنا حركة الماء. يسمعنا صوت الحركة، يجعلنا نعرف كيف تعمل البيئة والإنسان فيه.
ربما لهذا يرى الخواجة أن الشارع هو كل ما يتكلم، شريطة أن يقول عن نفسه بنفسه "الشارع يتواجد في الملتقى الالكتروني، في المجالس المفتوحة، في مكان العمل، في السوق، هذا الشارع قد يكون أقرب إلى مقصدنا عن شارع مستخدم من قبل جماعة منظمة أو مؤسسة تخطط له".

الخطـوط الحمراء
يبقى هاجس الاستغلال المنظم والمخطط له، قلقاً يحضر كلما حضر الشارع. إنه القلق من تسـخير الشارع. يقول المتروك "الشارع تشكيل رمادي، وكتلةً مفتوحة بإمرة الهيمنات الغالبة وقوى الاستهواء السائدة. الشارع البحريني، بكلّ مستوياته، هو شارع نخبوي غير مكتمل. إنه في الوقت الذي يخلق مساحته في الخروج على الخطوط الحمراء، وفي تجاوز الأجندة المعلنة وغير المعلنة، وفي تخليق الشعارات المحرجة والخارجة على الإجماع غير الرسمي بين قوى الصراع، إلا أنه لمّا يصل بعد إلى مرحلة بناء رجالاته ورموزه، بل هو دوماً عرضة لقيادة الرجالات والرموز النخبوية؛ المصنوعة داخل مؤسسة الرموز، لا مؤسسة الشارع".
ثمة خطوط حمراء رسمية، وثمة خطوط حمراء شبه رسمية (عرفية)، وثمة خطوط حمراء فوق رسمية (شارعية). الخطوط الحمراء الشارعية، لها مهابتها الجماهيرية التي قد تفوق مهابة الخطوط الحمراء الرسمية. علاقة حرجة تدور بين خطوط السلطة الحمراء وخطوط الشارع الحمراء. عندما يقوم أي من الطرفين بهتك خطوط الآخر الحمراء، فإن الأجواء تتوتر واللغة تتغلظ والممارسة تتعنف. لا يقبل الشارع بأي حال من الأحوال مسّ خطوطه الحمراء. يعتبر الشارع رموز مؤسسته الدينية الأم، خطاً شديد الاحمرار. ينصب الشارع قيادييه السياسيين والوطنيين من صلب هذه المؤسسة. مجرد تجاوز هذه الرموز في الأمور السياسية والوطنية، يراه البعض خروجاً على الخطوط الحمراء. ربما لذلك يرى المتروك أن الشارع لم يصل بعد لما أسماه بـ(مرحلة الاكتمال)، أي المرحلة التي يبدأ فيها الشارع بصنع رموزه من صلب مؤسسة الشارع، لا من صلب المؤسسة الأم الدينية.
وربما ذلك هو ما يجعل كمال، يرى أن ليس هناك رموز للشارع البحريني بعد، بل هناك رموز لشارع (مجرداً من أل التعريف)، "في ضوء ذلك لا يمكن الحديث عن رموز لكل الشارع البحريني هكذا على الاطلاق. هناك لافتات لرموز ومرجعيات تقصر عن أن تمثل الجميع. وفي المحصلة لن يتحقق الكثير لرجل الشارع العادي، فلتحقيق شئ لا بد من أن يكون الشعار المرفوع يحمل عنوان قضية تكون محل إجماع وطني". وأن الرموز لكي تكون رموزاً للشارع، لا لشارع فحسب، لا بد أن يتم صنعها وختمها في مؤسسة الوطن.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية