أثر الفراشة
لو أن فراشة هزت جناحها في مكان ما، قد تسبب اعصاراً في مكان آخر من العالم
معلومات المدون:
الإسم : باسمة القصاب
البلد : البحرين
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
لا أدري.. هل أنا فراشـــــــــــة.. أم أنا شيء من أثـــــرها..

:: المؤسسة الأم وابن الشارع البار

 
  .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
في قراءته للشارع البحريني، تسيطر على حسن يوسف كمال صورة المؤسسة الدينية الأم. يرى كمال أن الشارع البحريني ربيب هذه المؤسسة، وأن هناك مؤسستين تحركان الشارع البحريني وتتحكمان في مسيرته. هاتان المؤسستان جعلتا منه شارعاً في غاية الضيق والتزرنق " الواقع أن هناك شارعا ضيقا ذا اتجاه واحد وآخر مثله، ولكل شارع سالكوه. يتوقف المسير لأي حادث تصادم يحدث في الأمام. صحيح أن الناس سلكت الشارع بإرادتها لكن -وبسبب طبيعة الطريق- يفقد الناس بعد حين حرية الاختيار في الرجوع أو التوقف أو التجاوز والمناورة. شارع كهذا يصيب المرء بالهلع خصوصا من يعاني من رهاب الزحام. طريقا بهذه المواصفات لايعدو كونه زقاقا أو داعوسا في حي قديم".
يؤكد محمد العثمان هذا الانقسام ويفصح عن مؤسسات هذا الشارع "الشارع البحريني منقسم إلى نصفين -وفي ذلك تقرير واقع وليس قبول به- نصف سني والآخر شيعي".

فقه الشـارع
تحضر المؤسسة الدينية الأم جنباً إلى جنب مع هواجس صور الشارع السابقة إن لم تكن هي أبرز هواجسه وأكثرها قلقاً. المؤسسة الأم ترسم مسار شارعها، تشرّعن حركته أو تبرر لا حركته، تشيطن (من الشيطان) سكوته أو تخرس لسانه، تشكل خصائص رفضه أو تفقِّه خصائص قبوله.. لعل هذا ما يجعل من العثمان يحاول الدخول على فقه كل الشارع الشيعي والشارع السني، بغية توفير أداة أولية تعينه على قراءة وفهم الشارعين: "الشارع السني يحتضن عدة سياقات فكروية/ عقدية، اجتماعية، سياسية خفيفة، أي غير عميقة أو تراكمية، إذ تعاطي السياسة في الفقه السني بعمومه لم يكن عميقاً، أو جذرياً أصيلاً كما في الفقه الشيعي.(...) الفقه السني يختلف في نتاجاته السياسية وتنظيراته عن الفقه الشيعي. الفقه الشيعي يعتبر تعاطي السياسة وعلاقة الحاكم بالمحكوم (بحكم أن المذهب الشيعي مذهب معارض في غالبية تاريخه) بمثابة قطب رحى المذهب، وعليه تدور باقي الأمور في حياة المرء، أي السياسة الداخلية. (...) في حين يتمحور الفقه السني حول الفتوحات الإسلامية والسياسة الخارجية - إن جاز التعبير- وعلى ذلك كانت غالبية نتاجات العلماء والفقهاء تدور حول هذين الأمرين"

تمـايز الشيعي
كيف يعمل اختلاف التنظير إلى اختلاف التعاطي الشارعي مع الأحداث والمجريات؟ يفسر العثمان "ذلك يتطلب النظر إلى جانب آخر في الفقه الشيعي، للتعرف عليه بصورة تقودنا إلى تمايز الشارع الشيعي في التعاطي الاحتجاجي مستخدماً الشارع، كما جرى أثناء تداول قانون الاحكام الأسرية، وكيف سيطرت العمامة على الوضع برمته من خلال الشارع. (...) الشيعة كفرقة أو مذهب عايش أبناءه المظلومية التاريخية، صحت تلك النظرية أم لم تصح. ثمة تربية تصب في هذا الاتجاه، إتجاه المظلومية. أضف إلى ذلك صرامة منهج الفقه الشيعي. الممسك بزمام الأمور هم علماء المذهب وشيوخ الطائفة، ولا أعرف في الحقيقة إن كان ذلك يحسب للفقه الشيعي أم عليه، فالمنهجية الصارمة والطاعة التامة لها ما لها وعليها ما عليها".
أما في الفقه السني فالوضع لا يشبه الوضع الشيعي. بل هو الوجه المقابل له، أو هذا ما يقوله العثمان "في الجانب الآخر، الفقه السني يمثل تنوعاً في الرؤى والاختلافات، فهناك علماء وفقهاء المذاهب الأربعة إضافة إلى المذهب التوحيدي(...)، والفقه السني بعمومه ارتبط بالسلطة السياسية الحاكمة، إلا أن ذلك لا يعني سُبة على الفقه السني فكثير من العلماء يرون أن من الحكمة الارتباط بالسلطة السياسية وترشيدها أفضل من منابذتها، وذلك أيضاً لا يعني عدم وجود عدد من العلماء والفقهاء المعتبرين من أهل السنة والجماعة من كان في المعارضة السياسية للسلطات السياسية الحاكمة".

تفريـط وإفراط
الأصول النظرية الفقهية المذهبية إذن، حسب رأي العثمان، تؤسس لخصائص مختلفة. تؤسس لمنهجيتين سياسيتين مختلفتين. تؤسس لتعاطيات شارعية مختلفة. تؤسس لشارعين مختلفين. "الشارع السني لا يملك خبرات تراكمية في تحريك الشارع، وتحكمه عدة سياقات وانساق، منها العسكرة التي أضرت كثيراً بأهل السنة والجماعة في البحرين، كما أن أصول المذهب (تاريخياً) لم تحتوي على تفاصيل أو تراكمات معرفية حول الحركات الاحتجاجية واستخدام الشارع كورقة ضغط، هذا في جانب.(...) في الجانب الآخر فإن الفقه الشيعي إضافة إلى التنشئة السياسية في المواسم الدينية (معركة الطف وغيرها) كلها تصب في خانة تسييس أبناء الشيعة بأضعاف مضاعفة عن أبناء أهل السنة والجماعة".
بهذا يرى العثمان أن الاختلاف بين الشارعين (السني والشيعي) هو اختلاف طبيعي ناتج عن اختلاف فقه المؤسسة الأم (المذهب)، واختلاف تعاطيها مع الفقيه والسلطة. واختلاف استثمار الموروث التاريخي والتراثي. لذلك نحن أمام شارعين متناقضين في تعاطيهما مع الشارع. يقول العثمان "لدينا شارع بحريني في جانب من مساراته مفرطاً إفراطاً شديداً في استخدام الشارع، وفي المسار الآخر مهملاً إهمالاً كبيراً في استخدام الشارع، بل والسياسة بكل أدواتها؛ مكرهاً على ذلك في أحيان (كأثر للعسكرة التي أثخنت جسد السنة السياسي) وفي أحيان أخرى أثر للتنشئة السياسية واهتمامات علماء المذهب السني. المسار الشيعي أكثر تعاطياً واستخداماً لمسار من الشارع البحريني"

تساؤلات مشـروعة
قراءة حركة الشارع وفق تفسير العثمان، هي على قدر كبير من الأهمية. لكنها في الوقت نفسه تقودنا إلى كتلة من التساؤلات الجوهرية والمشروعة، والتي تحتاج إلى الاستعانة بأدوات أخرى للإجابة عليها. هل يمكن الركون إلى هذا التفسير وحده في قراءة هذين الشارعين؛ ثمة شارع هادئ مستقر (بالأصل) يقابله شارع متحرك معارض (بالأصل)؟ هل تكفي هذه الطبعنة (أي جعل اختلاف المسارين جزء من طبيعة المذهب الأم) لتفسير ما أسماه بالافراط مقابل التفريط في استخدام الشارع؟ هل الإفراط هو نتاج تربية تنتهج المعارضة لأجل المعارضة فقط، أم أن هناك أسباب أخرى في (أصل) الواقع البحريني (الواقع الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي،..) ساهمت في تخصيب أرضية الموروث المعارض لدى الشارع المتحرك (حد الافراط)؟ وربما عملت في المقابل على زيادة هدوء الشارع المستقر (حد التفريط)؟
وإذا ما تجاوز اختلاف الشارعين، حدود الاختلاف (الطبيعي) في استخدام الشارع، وتعداه إلى اختلاف (غير طبيعي) في التنافس على الشارع، وفي استثماره من أجل مماحكة كل مؤسسة للمؤسسة الأخرى، على النحو الذي يشير إليه حسن يوسف كمال "صارت حركة الشارع مثيرة لشيء من الدهشة وكثير من الشفقة. إن سار طرف في اتجاه سار الطرف الآخر في الاتجاه المعاكس لا لاختلاف صميم حول القضية موضع المطالبة وإنما ارتياب نزاع الى مشاحة ومماحكة الطرف الآخر. مما جعل قضايا كثيرة داخلية وخارجية من المفترض أن تكون موضع اجماع قضايا خلافية كقضية البطالة وزيادة صلاحيات ممثلي الشعب والاعتداء على بلد عربي وقصف بناه التحتية (الاعتداء على لبنان ومن قبله العراق مثالا)".

طـأفنة الاختلاف
هل يمكن أن نقرأ (طأفنة) الاختلاف الشارعي، بأنه نتيجة اختلاف طبيعية في فقه الشارع فقط، أم أن هناك صور أخرى وقضايا أخرى وتفاصيل أخرى ومجريات ووقائع، تجر الإختلاف مؤسسات الشارع إلى خلافها؟ هذا الخلاف يصفه كمال بأنه "يحول دون اندماج الشارعين خلف لافتة وطنية واحدة، بسبب أغشية من الشك والارتياب فيما يرمي اليه مشروع (الآخر)"
ما الذي يجعل أغشية من الشك تتولد بين الشارعين؟ وما الذي يغلظ من سماكة هذه الأغشية؟ وما الذي يطأفنها؟ وما الذي يمكن أن يطفئ شيئاً من طائفيتها؟
يتمنى كمال شارعاً وطنياً "هناك الكثير من العمل الذي يجب أن يبذل لازالة الشكوك والهواجس الأمر الذي لم تجتهد في بذله رموز مؤثرة بالرغم من سوانح كانت تطل بين فترة وأخرى. في حين ترك المجال لاشخاص يدفعهم حماس اللحظة للاتيان بافعال ومظاهر تخيف الطرف الآخر وتكرس لمزيد من الارتياب والخوف من المستقبل المجهول"
ويتمنى العثمان شارعاً وطنياً " اعتقد أن الشارع القادم من الممكن أن يكون وطنياً، إذ بلغت التململات من قبل الشارع، بشقيه، حداً لا يطاق من الطأفنة، ولكن ذلك مشروطاً بتخلي شيوخ الطائفة عن طائفيتهم وتخلي الحكم عن التعاطي طائفياً مع أبناء الشارع البحريني بعمومه. في تلك اللحظه سيكون لدينا شارع وطني واحد يعبر عن السنة والشيعة وتطلعاتهم المشتركة في غد أفضل".
لكن يبقى الشارع إبناً باراً لمؤسسته الأم، مــا لم تتوطن المؤسسة..

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية