كان الشارع البحريني خلال العقد التسعيني المر[2]، مستعراً تحت مطلب أساسي واحد هو البرلمان. حضر البرلمان، لكن التعديلات الدستورية لم ترضي القوى المعارضة التي قاطعت انتخابات 2002 "التعديلات الدستورية في البحرين والإعلان عن دستور عام 2002م قد قلص من حجم الحريات العامة والحريات السياسية وقلص من دور المجلس الوطني المنتخب في أداء مهامه التشريعية وأعمال الرقابة القانونية على الحكومة" [3] بهذا فسَّرت الجمعيات السياسية الأربع عدم مشاركتها في التجربة البرلمانية الأولى، ومن ثم برَّرت عدم تعويلها على الإمكانات الفعلية التي يستطيعها البرلمان الموضوع. جاءت نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة 54%. وهي نسبة يظهر فيها بوضوح تأثير قرار المقاطعة، فهي متواضعة جداً، بالنسبة لأول تجربة برلمانية يخوضها الشارع البحريني، خاصة وأنها جاءت بعد صراع مرير شهده الشارع من أجل الوصول إليها. اختلاف المعارض في نهاية التجربة البرلمانية الأولى، واستعداداً لدخول التجربة الثانية، سيبدأ تغييراً في خطاب الجمعيات السياسية الأربع، وستسير الجمعيات الأربع نحو خيار المشاركة، سيذهب معهم كثيرون في هذا الاتجاه، وسيذهب كثيرون أيضاً باتجاه آخر، ستنشق من رحم الوفاق (الأكبر تأثيراً في الشارع الشيعي) حركة معارضة جديدة هي حركة "حق"، سترفض "حق" الانصياع لقرار المشاركة، سينضم لحركة حق مجموعة من الناشطين الوطنيين والإسلاميين السُنَّة، سيكون لهذه الحركة شعبية جماهيرية لا نستطيع بعد تحديد حجمها الميداني، سترفع "حق" عريضة أممية تطالب بدستور تعاقدي وبرلمان تشريعي، سيظهر الاختلاف بشكل واضح على الشارع المعارض، وستزيد المستجدات الأخيرة الساخنة التي مرت على الساحة البحرينية ( مثل تقرير البندر) من هذا الاختلاف. بين قرار المشاركة والمقاطعة. يختلف الشارع المعارض. البعض يرى في قرار الجمعيات السياسية بالمشاركة تغييراً حصيفاً في إدارة لعبتها السياسية " عليك أن تجرب كل الأوراق السياسية لتصل لهدفك.يبقى السؤال الكبير. ماذا جنينا من المقاطعة؟؟ وإلى متى سنقاطع؟ أليس على الأقل أننا حاولنا واستخدمنا طرقا وأساليب أخرى" [4]. البعض الآخر يرى في مشاركتها تنازلاً عن سقف مطالبها التي كانت تتمسك بها " لنكن صريحين مع أنفسنا. المعارضة بدأت تضعف وتتنازل عن مواقفها الحديدية. ها هي بدأت تقبل بالأمر الواقع وستكون يداً مشاركة فيه" [5]. بعض ثالث يرى قرار المشاركة هو خيار مؤجل " الشيخ علي سلمان والشيخ عيسى قاسم وكثير من الرموز كانوا يؤيدون المشاركة في الانتخابات لكنهم رضخوا للرأي الغالب حينها" [6]. بين "وفاق" و "حق" تنفرد حركة حق باستمرار إعلانها مقاطعة انتخابات 2006. وتلحق بها حركة أمل التي أعلنت مؤخراً قرارها بالمقاطعة حسبما ورد عن الشيخ المحفوظ في مؤتمر صحفي عقده بالمناسبة. يأتي الاختلاف بشأن ثنائية المشاركة/المقاطعة ليشهد جدلاً كبيراً داخل في ساحات الشارع السياسي الشيعي وأروقته وزرانيقه ومنتدياته. يرى البعض إلى هذا الاختلاف بأنه تنوع في أساليب الضغط المعارض، ففي الوقت الذي ستتمكن المعارضة (المشاركة) من ممارسة ضغطها من داخل القبة البرلمانية الرسمية، ستبقى المعارضة (المقاطعة) تمارس ورقة ضغطها من خارج هذه القبة. إلا أن البعض الآخر يرى في هذا الاختلاف إضعافاً للمعارضة وانقساماً للشارع وتشتيتاً لأصوات الناخبين "بعد الانقسام الواضح وتباعد وجهات النظر بين جمعية الوفاق وحركة حق انشقت الجماهير إلى ثلاث فئات أولى رأت في المشاركة ونهج الوفاق طريق لها، وثانية رأيت في حركة حق ونهجها طريق لها، وثالثة تعبت وعجزت ففضلت البقاء متفرجة، ولم تبقى قرية معارضة إلا و تفرقت جموعها ثلاث بين وفاق وحق ومحايد، بل أن الاختلاف أخترق آلاف البيوت، فاختلف الأخ وأخيه في وجهات النظر بين وفاق وحق" [7]. إدارة الاختلاف تقوم كل جهة من جهات المشاركة / المقاطعة بتسخين الشارع باتجاه خيارها. تدير حركة حق تحركاً موزعاً بين قرى البحرين لعقد ندوتها حول تقديم عريضتها لمجلس اللوردات البريطاني. تشهد هذه الندوات الصغيرة إقبالاً جماهيرياً حماسياً. الشيخ علي سلمان رئيس جمعية الوفاق لم يخفِ خشيته من تأثير حركة حق على قرار الشارع بالمشاركة. خاطب سلمان "حق" صراحة في أكثر من موضع بعدم العمل على التحشيد للمقاطعة. حق أوضحت أنها رغم عدم قبولها بقرار المشاركة، لكنها لا تنوي التحشيد للمقاطعة كما جاء في كلمة للشيخ محمد حبيب المقداد، أحد وجوهها البارزين. التوترات الأخيرة التي عايشها الشارع البحريني جراء تفجر أزمة (تقرير البندر)، جعلت الشارع الشيعي يشعر بالإحباط، وجعلت حركة حق أقوى حضوراً في هذا الشارع المعارض. وهذا ما يجعل الوفاق تخشى انجراف الشارع نحو قرار المقاطعة متأثراً بالمستجدات الأخيرة وإحباطاتها. الوفاق بدورها بدأت بتنظيم حملات مشابهة إلى القرى البحرينية، من أجل التسخين باتجاه المشاركة. شرعنة فقهية من جهة أخرى تستعين الوفاق بالخطاب العلمائي (موضع التقدير في جزء كبير من الشارع الشيعي) لشرعنة مشاركتها. هذا الخطاب جعل من قرار المشاركة/ المقاطعة قراراً دينياً فوق كونه دنيوياً " كل من القرارين يحتاج إلى خبرة ونظر موضوعي بتجرد ويحتاج إلى فقه ويحتاج إلى تقوى. لا يمكن أن يقرر في المسألة بعيدا عن النظر الموضوعي ولا يمكن أن يقرر في المسألة بعيدا عن معطيات الفقه ولا يمكن أن يقرر في المسألة لإنسان مؤمن أو مجتمع مؤمن بعيدا عن التقوى "[8]. بهذا يصبح قرار المشاركة الذي أعلنه المجلس العلمائي متمثلاً في الشيح عيسى قاسم، هو القرار الديني والفقهي والموضوعي ويكون هو قرار التقوى. وبهذا يتوقع من الشارع الديني الشيعي أن يكون ممتثلاً لهذا الخطاب، ممال يمكن الوفاق من تحصيل نسبة مشاركة شارعية أعلى. الدعوة العلمائية الصريحة باتجاه المشاركة، لم تسلم من الجدل الشارعي. ورغم احترام الشارع الشيعي لما يصدر عن المجلس العلمائي، فإن بعض الآراء هذه المرة رأت خلاف هذا الرأي "لماذا إلغاء العقل والانجرار وراء رأي الآخر، هلهيمسألة دينيه نحتاج فيها إلى استفتاء شرعي ؟؟؟ هي مسألة قناعات !!!!! فلماذا ألغيعقلي من التفكير !!!!!"[9]. جدل شارعي حذر البعض من استخدام الورقة الشرعية للاستيلاء على صوت الجماهير "يجب التأكيد أن العلماء سيدفعون ثمن هذا الخيار، وسيحاسبهم الناس على الدعوةإليه، كما حاسبوا هم بشكل قاس وإقصائي من دعا إلى التصويت على الميثاق! وبالعودةإلى مسألة الشرعية: فإن الشرعية يسقطها التحرك الضاغط ووجود الأزمة الخانقة للنظامعلى الأرض عبر استخدام ورقة الجماهير(...) نحن نعتقد أن كل الدول التي تتحرك فيها الأزمات الخانقة بين الحكم والشعبتكون مصدر رصد القوى الدولية، ومصدر تدخل أيضا، ونحن لا نطالب بالتدخل الذي يفقدنااستقلالية القرار الوطني والسياسي"[10]. في مقابل هذا الجدل، كانت هناك الأصوات التي تدعو إلى الالتزام بكل ما يأتي عن المجلس العلمائي باعتباره الرأي الفقهي الأكثر معرفة والأكثر فهماً لمعطيات الساحة "معكم معكم يا علماء أنتم تأمرونا ونحن نمتثل، لا رأي لنا بعد رأيكم" [11]. نجحت الدعوة العلمائية في تبديل قرار البعض وتحويله من المقاطعة إلى المشاركة " بصراحة يا إخوان، أنا كنت ناوي عدم المشاركة في الانتخابات المقبلة، لكن ما دام المجلس العلمائي دعا إليها، فإني أجد نفسي ملزماً بالمشاركة" [12] يبقى السؤال المطروح هنا: إلى أين يأخذنا بيموج المشاركة والمقاطعة؟.. هذا ما ستكشفه لنا الأيام القريبة القادمة.. هوامش * بيموج هي كلمة فارسية الأصل الترجمة الحرفية لـها هي (في اللجة). وهي عنوان كتاب للرئيس الايراني السابق محمد خاتمي. عنوان الكتاب مأخوذ من بيت شعر لحافظ الشيرازي المعروف بلسان الغيب. يتحدث حافظ في هذا البيت عن الحالة الرمزية التي يكون فيها الإنسان في غمرات الموج العاتي بين الخوف والرجاء. [1] موقع المجلس النيابي، لقاء مع رئيس المجلس [2] يمكن الرجوع لملف جريدة الوقت حول عقد التسعينات المر [3]، بيان الجمعيات السياسية الأربع حول مقاطعة الانتخابات البرلمانية السابقة [4]، [5]، [6]،[7] مداخلات في بعض المنتديات الالكترونية [8] من خطبة الشيخ عيسى أحمد قاسم، صلاة الجمعة في جامع الدراز، 13-10-2006 [9]، [10]، [11]، [12] مشاركات ومداخلات في المنتديات الالكترونية
الخميس, 23 نوفمبر, 2006
في أحدى تصريحاته، أعرب رئيس المجلس النيابي خليفة الظهراني عن اعتقاده "أن البرلمان هو المكان الحقيقي لإيصال الأفكار والمقترحات" وان أموراً مثل العرائض والاعتصامات خارج قبة البرلمان أمور غير صحيحة تؤدي إلى العودة بالمجتمع إلى مرحلة التسعينات[1].
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









