أثر الفراشة
لو أن فراشة هزت جناحها في مكان ما، قد تسبب اعصاراً في مكان آخر من العالم
معلومات المدون:
الإسم : باسمة القصاب
البلد : البحرين
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
لا أدري.. هل أنا فراشـــــــــــة.. أم أنا شيء من أثـــــرها..

:: منيرة فخرو.. عين ماء في البيت العود

 
   .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
"تفتحت عيني على "عين ماء" تروي الجميع. في بيتنا العود عينٌ كانت سُقياً مباحاً للجميع. لا تَعرِف هذه العين كيف يُحتكر الماء، لا تعرف كيف يُستحوذ على الماء، لا تعرف كيف يُستفرد بالماء. كان نصف عينها مفتوح على الخارج، حيث الناس تروي بلا حرج، ونصف عينها مفتوح إلى الداخل، حيث نرتوي نحن. أطفال صغار كنا نطل على اناس يقصدونها لا يخشون المنع. نراقب قدومهم مهيئين وخروجهم محملين، فنفرح. ليس أجمل من عين تروي بلا استثناء. ليس أجمل من عين خيرها للجميع". تتذكر منيرة فخرو وكأنها تنظر بعين خيالها مباشرة إلى عين ذلك البيت العود..

 ابنة التراكمات
"مزاجها وطني وحسها إنساني" بهذا التعريف المقتضب، لكن المكثف، قدمت حصة الخميري، رفيقة دربها منيرة فخرو. لا تميل حصة أن تبوح بشيء عن منيرة، لأن شهادتها فيها منحازة "ماذا يمكن أن أقول عن واحدة هي نفسي في شخص آخر؟". هل قول حصة هو نفسه قول أرسطو في تعريف الصديق: هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك. الروح التي كانت تقول بها حصةُ منيرةَ، لا أشك معها، أن (حصة) هي (منيرة).
ماذا يعني أن يكون مزاج منيرة وطني وحسها إنساني؟
حين يقوى عند إنسان ما حسه الإنساني مختلطاً بحسه الوطني، فإن مزاجه الشخصي يضمر، ليقوى عنده مزاج أكبر، هو مزاج بطعم الوطن. يصير مزاج الفرد محكوماً بحالات وطنه وسياقاته وتطوراته ومستجداته واحتراباته وتنافساته وتراكماته.

الإنسان كائن متراكم. بل هو ابن لتراكماته، ولكي نفهم الانسان لا بد أن نفهم تراكماته التي تعمل فيه وتحفر عميقاً في تكوينه. عبر هذه التراكمات يتشكل مزاج الإنسان ويتلون ويتضح. "الوطن مجموعة من التراكمات. الواقع الذي يعيشه الانسان مجموعة من التراكمات. الأحداث السياسية والاجتماعية التي تمر علينا مجموعة من التراكمات. الديمقراطية كما نشهدها اليوم مجموعة من التراكمات. وأنا ابنة كل هذه التراكمات". بهذا التراكم تفهم منيرة نفسها، يصوغ هذا التراكم مزاج منيرة العام كما يصوغ مواقفها الفردية والخاصة. فالمزاج ضرب من التراكمات ينتج ضرباً من المواقف.
يروي عبدالله جناحي عن منيرة التي عرفها في العقد المر، فيخبرنا عن رؤيته لها في حالتين مزاجيتين مختلفتين آنذاك. الأولى في ليلة من ليالي اشتعال الأحداث، وسقوط أكثر من شاب برصاص قوات مكافحة الشغب "رأيت في عينيها شرارة وعلى وجنتيها نار حمراء وفي حديثها ثورة غضب وفي قلبها بكاء وعذاب. كانت تهلوس وتبكي وتغضب وتشتم وتهذر وترتجف وتقهر وتحترق وتذوب وتصيح وتتلوى وتتألم وتتعذب وتنفجر بركانا وحمما".
الليلة الثانية ليست بعيدة عن تلك الأولى، لكن منيرة كانت في مزاج آخر، كانت "تضحك وتبتسم وتفتخر وتتحدى وتتجلد بهدوئها الجميل وعفويتها غير المعقولة وشفافيتها وصدقها قالت لي: يا جناحي لقد فصلت عن عملي كأستاذة من الجامعة". هل يمكن لمن يفصل من عمله أن يكون في مزاج بارد كهذا؟

 خندق واحد
" كنت كلما سألت عن طالب متغيب عن محاضراتي، قيل لي أنه أعتقل أو سجن! القمع العنيف الذي قوبلت به احتجاجات الطلبة جعلني لا أستطيع الاحتمال أكثر. ليس خيار عندي أن لا أدافع عن هؤلاء مهما كان الثمن". أن تهلوس منيرة بشجاعة، أن تأخذ موقفاً جريئاً، أن تدفع ثمن هلوستها وجرأتها، كان يخفف عليها الشعور بالعجز. كان يشعرها بأنه يمسها ما يمس هؤلاء المتضررين [1]. يجعلها تشعر بإنها تشترك معهم في هم إنساني واحد، في خندق وطني واحد. هل تراه الشيخ علي سلمان كان يعني ذلك حين أعلن ليلة افتتاح خيمتها "أنا ومنيرة في خندق واحد" [2].
بهذا المزاج الوطني الإنساني كانت منيرة تهلوس وتبكي وتغضب وتشتم وتهذر وترتجف وتقهر وتحترق وتذوب وتصيح وتتلوى وتتألم وتتعذب أو تفرح.
لكن ما هو مزاج منيرة، الذي ألمح إليه عقيل سوار بانحياز محبب معتبراً إياه نموذجاً لمزاج البحريني الطبيعي من غير تكلف ولا تبرج ولا افتعال؟ [3]. إنه المزاج الذي لا يجيد التملق من أجل كسب عدد من الأصوات أو الناخبين أو المتعاطفين. هو مزاج يحافظ على صدقه أمام نفسه، قبل أن يكون صادقاً أمام الآخرين. تقول الخميري "منيرة لديها مصداقية عالية مع نفسها، تتخذ مواقفها بقناعتها العقلية وعاطفتها الانسانية، يميز منيرة شخصيتها المبدئية، وهذا ما يجعلها صلبة في التمسك بمواقفها ".
الصدق في أن تكون منيرة هي ذاتها لا ذات غيرها، هو ما تراهن عليه "لا أستطيع أن أتلبس غير شخصيتي، ولا أستطيع تقديم نموذج مزيف مني لأسترضي غيري. الحقيقة الوحيدة التي أعرفها عن نفسي هي أنني قريبة جداً من الناس. ومشاعري ناحيتهم صادقة. هذا ما أستطيع أن أراهن عليه".

 مزاج العين
ترى ما الذي صنع هذا المزاج الوطني أو العام أو الحار أو القلق أو المرتجف أو المقهور أو المتألم أو المتعذب، الذي تمتلكه منيرة فخرو؟ ما الذي يحرّك هذا المزاج عند إمرأة صاحبته أبعد ما تكون (طبيعياً) عن هذا المزاج المشتعل، وأقرب ما تكون (طبيعياً) من أصحاب المزاج البارد أو أصحاب الدم البارد، أولئك الذين لا تمسهم الأحداث إلا بقدر ما تتعارض مع مصالحهم أو تتضارب معها؟
ليست منيرة واحدة ممن استخف بهم ألم الجوع أو حرَّقهم لطش الفقر أو همشتهم يد العدالة أو أقصتهم مساحة المطالبة. لم تسكن منيرة قريباً من المناطق التي ما أن يرخي فيها الليل سدوله، حتى تحتجب فيها الحياة والحركة وتتحول إلى مايشبه المقبرة. كانت منيرة عائدة حينها من سنوات دراسة طويلة في أمريكا قضتها مرفهة لم تفوت على نفسها خلالها أي فرصة لتكتشف العالم والثقافات والفنون والمدن والتاريخ. لم ينقص منيرة من حياتها شيء من الثراء أو النسب أو الرفاهية أو الحظوة أو الوجاهة أو المنصب أو التعليم أو الخصوصية أو الفرادة أو أن تكون سم علم له ثقله وحضوره في الداخل والخارج.
ما الذي يجعل إذن من مزاج منيرة (البارد اجتماعياً واقتصادياً) يتدفق حرارة، حين يرتبط الأمر بالإنسان وحقوق الإنسان وحاجات الإنسان وحرية الإنسان؟
ترى هل ثمة علاقة تجمع بين منيرة، وبين "عين الماء" التي كانت مودعة في ذلك البيت العود؟ وإذا كانت منيرة هي نتاج متراكم كما تفهم نفسها، فهل ثمة تراكم تركه مشهد الناس الذين كانوا يفدون العين، بلا حرج، ليملؤوا قربهم بالماء، ويغادورها ممتلئين؟ هل يشبه مزاج منيرة الذي يؤمن بالعدالة والمساواة، مزاج تلك العين التي نصفاها متساويان للداخل والخارج؟ هل تشبه منيرة تلك العين التي لا تحب للماء أن يُحتكر، ولا أن يُستحوذ عليه، ولا أن يُستفرد به؟
 البيت العود
في بداية أربعينات القرن الماضي، في مدينة المحرق، وتحديداً في فريق (الصنقل)، بيت كبير قريب من البحر، به عين ماء نصف مائها للخارج ونصفه للداخل، إنه البيت العود، بيت يوسف فخرو، هناك نشأت منيرة مع عدد كبير من الأخوة والأخوات وأبناء الأعمام، "كنا نلعب سوية طوال النهار، ونقضي وقتنا كشأن الأسر الممتدة. السيطرة ليست للوالدين، بل لرأس العائلة الممتدة". في نفس هذا البيت نشأت ليلى فخرو، وعلي فخرو، وحسن فخرو، وفخرويون آخرون كثيرون.
في هذا البيت تلقى هذا الجيل تربية دينية محافظة "هناك لا نسمع إلا شيئين: القرآن والأخبار. لا نسمع الأغاني لأنها حرام. النظام والصرامة كانا جزءا من الاتجاه الديني المحافظ الذي عشناه في البيت العود".
رأس هذه العائلة هو الأب العود. يخضع له الجميع بحكم التراتبية الأسرية. لكن لم يكن وحده هذا التراتب ما جعل منه رأساً تفتخر به العائلة "كان جدي مثالنا في كل شيء، مثال في الإنسانية، مثال في الكرم، مثال في العطاء".
تتراكم في ذاكرة منيرة مشاهد عايشتها في هذا البيت العود "في كل عام كان جدي يخرج الزكاة. نفرح أيام الزكاة لأننا لا نذهب إلى المدرسة. يعيش البيت كله طقساً خاصاً لتوزيع الزكاة. يتأهب الجميع لهذا الطقس بمن فيهم نحن. يفد المستحقون إلى الزكاة بأعداد كبيرة. يوزع جدي الروبيات الفضية عليهم. تبقى أبواب البيت العود مشرَّعة. يدخل المستحقون من أحد الأبواب ليخرجوا من الباب الآخر. نراقب هذه الطقس باستمتاع شديد. نختلس بعض الروبيات فنعيش أسبوعاً ثرياً".

 العصيان الأول
مشهد آخر يتداخل "لا تمحى من ذاكرتي أبداً صورة الفقراء يصطفون على طول الدهليز الطويل، يحملون في أيديهم قدور قد أفرغها الفقر، ينتظرون دورهم كي يحصلوا على لقمة يسدون بها رمق جوع عوائلهم".
عبر هذه المشاهد المتراكمة في ذاكرة منيرة، هل يمكن لنا يمكن لنا أن نفهم جانباً من حسها الإنساني ومن مزاجها (الحار) الذي لا يحتمل أن ينفرد دون الآخرين في رفاهية أو راحة أو ثراء دون الآخرين. تركمات منيرة لم تكن تشبه تراكمات أولئك المعوزين والمحرومين والمهمشين والمقصيين والمقموعين، تراكمات منيرة إنسانية، وإنسانيتها هي ما شكلت مزاجها الوطني.
لم تغادر منيرة البيت العود إلا بعد وفاة جدها. كان جدها يحبها كثيراً فلم يتركها تغادر مع والدها وإخوتها الذين انتقلوا للسكن في الماحوز. للبيت العود مكانته الخاصة في قلب منيرة كما هي مكانة جدها "كان البيت كبيراً جداً. كنت أراه أكبر بيت في العالم. بعد أن كبرت صرت أراه بحجمه الحقيقي، لكن لا يزال هذا البيت كبير عندي بمعنى آخر".
ما هو هذا المعنى الآخر؟ هل بمعنى ما يفتح هذا البيت على كل أحد ؟ هل بمعنى ما لا يتعالى على أحد؟ هل بمعنى ما عين مائه تروي كل أحد؟ هل بمعنى ما يحترم كل من يعيش فيه أو يعمل فيه؟ "لم أشعر في هذا البيت بشيء من الفوقية. كان البيت العود قلباً يتسع للجميع. يحترم الجميع".
لم تكن منيرة بحاجة إلى أن تعمل في إحدى المدارس الحكومية (بعد أن أكملت البكالويوس في الجامعة الأمريكية بلبنان). لكنها أصرت على العمل ورفض والدها "لست بحاجة إلى العمل في القطاع الحكومي". حينها مارست منيرة حقها الطبيعي في العصيان المدني " كان ذلك هو عصياني المدني الأول. لم يكن أمامي سوى الاضراب عن الطعام"، أضربت منيرة لمدة 3 أيام . بعدها رضخ والدها وسمح لها بالتدريس في المدارس الحكومية. وهي التي كان يمكن لها أن تدير أي من قطاعات تجارة والدها الواسعة.

 رهافة الرفاهية
تتحفظ منيرة كثيراً (يعزو البعض ذلك لرهافتها)، عندما يجرها الحديث إلى جانب تظهر فيه مستوى الرفاهية التي عاشتها. تزداد رهافتها تحفظاً كلما رأت رفاهية يعيشها آخرون على الطرف النقيض تماماً لناحيتها. إنها رفاهية الفقر. أن تكون مرفهاً في الفقر يعني أن لا تجد غير عرائك مساحة تصطلي فيها وإليها.
يمتزج تحفظ منيرة بألم أكثر، حين تعرف واقع المجتمع أكثر، فتشعر بالمسؤولية تكبر على عاتقها. التحقت منيرة في يناير 75 بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية. أوكلت إليها مسؤولية قسم الرعاية الاجتماعية، وهناك واجهت واقعاً آخر "في هذه الفترة بدأت أرى عن كثب الوضع المأساوي الذي تعيشه أعداد كبيرة من الأسر في البحرين. لم أصدق أن واقعاً مثل هذا، قد يكون موجوداً فعلاً على أرض الواقع. ليس مثل المسؤول يرى اللا عدالة كيف توزع".
دخلت منيرة بيتاً عوداً آخر. هو بيت الوطن الكبير. في البيت العود الجديد بدأت منيرة تشهد ما لم تكن شهدته عينيها الصغيرتين في بيتها الأول. في البيت العود الجديد لم تعد منيرة ترى عين ماء مباحة للجميع، بل لم تعد ترى عين ماء نصفها نصفين، بل لم تعد ترى عين يمكن أن يفد الناس إلى ربعها أو إلى جزء منها. هل صارت عيون البيت العود محتكرة كلها لجهة نصف واحدة؟ ليس بيتك العود الثاني يشبه بيتك العود الأول يا منيرة. إلا أن تكوني عيناً.

 العصيان الثاني
غادرت منيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 7619 في برنامج دولي لمدة 4 أشهر. "هناك عرفت تماماً ما أريد أن أفعله بقية حياتي. أن أكمل دراستي وأعود لأصب جهدي في الخدمة الاجتماعية". ذهبت منيرة 77-79 لدراسة الماجستير في "تنظيم المجتمعات"، كانت تشعر بمسؤوليتها تزداد مع كل جديد تتعلمه. عادت وزارة العمل خلال 79-81، في هذه السنتين أسست جمعية الصداقة للمكفوفين ووضعت نظامها الأساسي. ثم كانت رحلتها للدكتوراة في نيويورك حتى 1986.
عادت منيرة للوطن، عادت للبيت العود. تحمل في جعبتها دهشة السفر [4]، وفي قلبها عين ماء تشبه عين البيت الأول. عينٌ لا تقبل إلا أن يكون الماء حقاً مشتركاً للجميع. فكان عقد التراكمات التسعيني، وكان أن أعلنت عصيانها الثاني (بعد عصيانها الأول لوالدها بالعمل الحكومي) بمشاركتها في العريضة الشعبية التي قادت الحركة الدستورية عام 1994، وكان أن قادت مع عدد من النساء العريضة النسائية التي طالبت فيها وقف القمع وتحقيق الديمقراطية عام 1995م، وكان أن قوبل عصيانها هذه المرة بالفصل، وكان أن بقت منيرة تدهشها عين البيت العود الأول، فتبقى تطل عليها كلما تجدد فيها الأمل بعين يملكها الجميع، عين تروي بلا استثناء، عين تسقي بلا منة أو حرج أو هبة تتكرم على أحد.

[1] للإطلاع على تفاصيل العريضة النسائية كاملة، راجع ملف الوقت " العقد المر"، الحلقة 5.
[2] الوقت، العدد 257، ص7
[3]هواجس عقيل سوار، لك الله يامنيرة، صحيفة الوطن.
[4] سيتم تناول تجربة د. منيرة فخرو في الدراسة في الخارج بشيء من التفصيل في حلقة قادمة.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية