§ رغم الاتفاق على ضرورة عدم العودة إلى الحقبة (السلندرية)، إلا أنه لا يمكن فهم ارهاصات الحراك السياسي البحريني دون المرور على تاريخ سلندراته ومخيالاتها، ودون الوقوف عند انفجاراته التي دوت حين كان مفروضاً على الكلمات أن تخفت. (1) "ثقافة السلندرات" بين مخيال الرعية ومخيال الشعب في الخامس من نوفمبر 2006، فتح رئيس كتلة جمعية المنبر ومترشحها صلاح علي، النار على خصومه السياسيين، واصفاً إياهم بالمروجين لثقافة السلندرات "معظم القوى السياسية في البحرين ستشارك في الانتخابات، ولكن عددا منها يريد فرض آرائه بالقوة، فيروج لثقافة السلندرات مدعيا أنها هي التي شكلت مجلس 2002 فهل يمكن أن يحقق أي انجازات أصحاب هذه الثقافة؟" [1]. تردد التلويح بثقافة "السلندرات" في عدد من الخيم الانتخابية التابعة للكتلة الموحدة لجمعيتي أصالة والمنبر. "نريد أن نحافظ على مكتسبات المشروع الأصلاحي، الذي لا يريد له البعض النجاح، يريدون أن يعيش الوطن على المتفجرات والسلندرات" محمد خالد في افتتاح خيمته الانتخابية في الأول من نوفمبر[2]. في العشرين من نوفمبر2006، وفي مهرجان انتخابي لجمعية الوفاق تحت عنوان "كلمة للوطن"، ووسط حضور جماهيري ممتد قوامه عدة آلاف، وقف زعيم كتلة الوفاق ومترشحها، الشيخ علي سلمان، معرفاً بجمعيته، واصفاً إياها بأنها امتداد لكوكبة من النضالات الوطنية المطالبة بالاصلاحات، الممتدة طوال قرن من الزمان، ثم أخذ صوته المنخفض دائماً، يعلو تدريجياً، وصارت كلماته اقرب إلى صراخ غاضب حين وصل إلى العقد التسعيني المر فقال "الوفاق امتداد لكل الشهداء، وخصوصاً شهداء الحقبة التسعينية، التي نفتخر بكل تفاصيلها، نفتخر بسلندراتها، بكل ذلك التاريخ الذي كان لا بد منه، من أجل أن تكون الانتخابات"[3]. هنا اختلطت صرخة سلمان بصرخات الجماهير المنفعلة، وغاص صوته وسط تصفيقها وهتافاتها وشعاراتها الملتهبة. كان ذلك قبل أيام خمسة فقط من ذهاب هذه الجماهير الغفيرة إلى صناديق الاقتراع. § نقض مشروعية الخطاب الذي تبنته الكتلة الموحدة لجمعيتي أصالة والمنبر، من خلال ترديد عدد من مترشحيها له (السعيدي، محمد خالد، المعاودة، فضلاً عن صلاح علي)، أحدث ضجة اعلامية كبيرة في الأوساط التي تلقته، وأثارت عبارة "ثقافة السلندرات"، بوصفها تهمة، غضب واستياء قسم كبير من الشارع البحريني، واستتبع ردات فعل باتجاهات مختلفة "كنت قد قررت مقاطعة الانتخابات لأسباب كثيرة، لكن بعد أن سمعت هذا الخطاب المُسقط، شعرت بنفسي سلندراً يريد الانفجار فعلاً. قررت المشاركة فقط لكي انتخب من أسموهم بأصحاب ثقافة السلندر". يقول أحد الناخبين. قرأت بعض الصحف في الخطاب المناهض لما سمي بـ"ثقافة السلندرات"، لعبة انتخابية لضرب الخصوم السياسيين واسقاط مشروعيتهم، ذلك أنه يكفي نقض مشروعية (مشاركة وانتخاب) طرف ما، من أجل اسباغ المشروعية على (مشاركة وانتخاب) الطرف الآخر. وهذا ما يفسر تأكيد المترشح السعيدي على أن "النواب السابقين سيدخلون للمجلس المقبل من أجل أن لا تعم الفوضى مرة أخرى، وألا يدعي هؤلاء أن الإصلاح جاء بعد التفجيرات والتكفير". بهذا يصبح انتخاب المناهضين لثقافة السلندرات هو السبيل الوحيد لحماية المجلس من أصحاب الثقافة السلندرية. ما الذي يجعل من عبارة مثل "ثقافة السلندرات"، تحظى برواج انتخابي عند قسم من الشارع الانتخابي، ويُستفاد منها لنقض مشروعية الطرف المنافس، بينما تعمل نفس العبارة (بشكل نقيض)، عند قسم آخر من الشارع الانتخابي (الآلاف المشاركة في مهرجان الوفاق مثلاً)، على اثبات مشروعية (وربما أحقية) هذا الطرف؟ § المخيال الوجودي لكي نفهم هذا الاختلاف، نحتاج إلى الوقوف عند المخيال الاجتماعي لكل من الشارعين الانتخابيين، وأعني بالمخيال الاجتماعي هنا، الوعي المتكوِّن الذي يفهم الشارع ذاته من خلاله، ويعي وجوده الاجتماعي، ومن ثم وجوده السياسي، وبه يفهم الأحداث والوقائع، وبه يتعاطى معها، وبه يتعامل مع الأنا والآخر والعالم. لدى كل (مجتمع، جماعة، طائفة، شارع، كتلة، جمعية، مترشح، ناخب...) موروث ضخم من المرويات والمنقولات والمعتمدات والصور التاريخية والأحداث والوقائع. تنطبع تلك الموروثات في ذاكرته ومخياله الجمعي، وتبقى في لا شعوره، لكنها تحدد خياراته وتصوغها وتوجهها كلما استدعت الحاجة لاتخاذ موقف ما أو فهم شيء ما أو اسباغ المعنى عليه. يعرف محمد عابد الجابري في كتابه العقل السياسي العربي، المخيال الاجتماعي، بأنه "جملة من التصورات والرموز والدلالات والمعايير والقيم التي تعطي للأيدلوجيا السياسية، في فترة تاريخية ما، ولدى جماعة اجتماعية منظمة، بنيتها اللاشعورية"، (ص16). § ثقافة السلندر "السلندر" في الشارع البحريني علامة سياسية مشحونة بالدلالات والصور والمشاهدات. ارتبط السلندر بحقبة سياسية ملتهبة من التاريخ البحريني. استخدمه الشارع كأداة لإعلان احتجاجه ورفضه وغضبه واستيائه وسخطه. كلما منع الشارع في ذلك الوقت عن تفجير كلماته زاد من تفجير سلندراته. وبالرغم من عدم تبني رموز (الشارع السلندري) حينها لفعل الشارع الذي لم يكن مستطاعاً ضبط انفعالاته، وبالرغم من تأكيدها اليوم على ضرورة عدم العودة إلى (الحقبة السلندرية)، إلا أنه لا يمكن فهم ارهاصات الحراك السياسي البحريني دون المرور على تاريخ سلندراته، أو دون الوقوف عند انفجاراته التي طالما دوت حين كان مفروضاً على الكلمات أن يخفت صوتها. دخل السلندر ثقافة الشارع السياسي وصار جزء من تكوينه شئنا أم أبينا. لكن فهم صورة "السلندر" ووعي هذه الصورة ورفضها أو قبولها، يختلف باختلاف المخيال الجمعي الذي يراها. "السلندر" صورة واحدة، لكنها صورة تقع بين مخيالين اجتماعيين مختلفين. وبالتالي فهي تحمل تصورين مختلفين، تحمل علامتين مغايرتين، تحمل تمثلين غير منسجمين. فما هي البنية اللاشعورية التي شكلت رؤية الشارع البحريني للسلندر؟ § بين مخيالين يقوم المخيال الأول على وعي يتمثل الحكم من خلال راعٍ مسؤول يدير شؤون رعيته، ويرى إلى الشعب بوصفه رعية موكول جل أمرها في يد راعيها، وهو بهذا مهيئ إلى النظر إلى "السلندر" بوصفه علامة مروق أو زعزعة أو خروج على سلطة ولي الأمر، الذي يدين له مخياله بكامل الطاعة والولاء المطلقين. السلندر في هذا الوعي إعلان صريح وفوضوي لعصيان ولي الأمر الذي هو الراعي الذي هو خليفة الله في الأرض. ولعل أجلى خطاب يعبر عن ذلك هو ما أوضحه خطيب جامع خليفة بن موسى بحالة بوماهر بقوله "إن كل مسلم يعلم أن أولي الأمر تجب لهم البيعة والسمع والطاعة بالمعروف وأن يدعى لهم بالخير، ويكون لهم الاكرام والتبجيل، ويعرَّف معروفهم، وتشكر فضائلهم، وألا تنازعهم فيما ولاهم الله عليه، والحذر من الطعن فيهم، لأن الحاكم ظل الله في أرضه، من انتقصه أهانه الله في الأرض، وأن من أراد منا نصيحته وتذكيره فالأحاديث الشريفة تنص على الخلوة به عن أعين الناس ولا تكون علانية"[4] المخيال الثاني يقوم على وعي يتمثل الحكم من خلال راعٍ مسؤول وشعب مسؤول. في هذا الوعي الكل راعٍ والكل مسؤول. فهو يرى نفسه مشاركاً في الحكم لا رعية تابعة فحسب. في هذا الوعي يكون المخيال مهيئاً إلى النظر إلى "السلندر" بوصفه أداة إعلام وضغط شعبي باتجاه الحصول على حق المشاركة في صنع القرار. هذا المخيال قد يستخدم السلندر (في حقبة معينة) للإعلان عن احتجاجه حينما لا تتاح لديه وسيلة إعلان أخرى. يحضر السلندر إذن كرمز لقيمتين سياسيتين متغايرتين، ويحمل معنين متناقضين عند مخيالين شارعيين مختلفين. ويأت توظيف "السلندر" واستثماره في اللعبة الانتخابية، عن طريق اللعب على مخيال شارع بعينه، ومحاولة استنفار مخيال هذا الشارع، لنقض مشروعية الخصم السياسي المنافس، واظهاره بمظهر المزعزع للأمن لا المطالب بحق في المشاركة "يطالبون بانتخاب الشرفاء، فمن هم الشرفاء؟ هل هم من يزعزع أمن البلد أم من يدعون للسلم؟" يقول صلاح علي. الشريف وفق هذا الوعي إذن هو الرعية المسالم الذي يقبل ما يعطى إليه من قبل الراعي، دون أن تصيبه لوثة السؤال أو زعزعة المطالبة. § ما لا بد منه هذه اللعبة المخيالية، لا تحظى بالقبول عند المخيال الشارعي الآخر. الشارع الآخر يرى في "السلندر" جزءاً من تاريخه، وإن رفض العودة إلى استخدامه في الوقت الحاضر، لكنه لازال يتمثله جزءاً من نضاله، جزءاً من مطالبته بحقوقه الدستورية، جزءاً من "ذلك التاريخ الذي كان لا بد منه، من أجل أن تكون الانتخابات" كما عبر علي سلمان. [1] الوقت، 6 نوفمبر 2006 [2] الوقت، 2 نوفمبر 2006 [3] الوقت، 21 نوفمبر 2006
السبت, 25 نوفمبر, 2006
ولعل هذا ما يجعل من الأمين العام لجمعية الوفاق يُحذِّر مما يمكن أن ينتج عنه فشل التجربة البرلمانية الحالية "بعد أربع سنوات من الآن، لن أستطيع مسك العصا من النصف، ولن أستطيع أن أمسك الجماهير البائسة في حال فشلت التجربة البرلمانية". هذا التحذير ليس فقط يستحضر مخيال الشارع، بل يستحضر أيضاً مخيال السلطة، ويستدعي صوراً لا يرغب في عودتها حتماً كل من السلطة والشارع.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









