(2) الشارع الانتخابي مستجيباً لمخيال النفرة والنصرة في منشور تم توزيعه في دائرة انتخابية لأحد المترشحين الوطنيين، يحمل المنشور صورة المترشح وعليها علامة × كبيرة. ويقول: § لا للشيوعية. § لا تنتخبوا من كان للاسلام عدواً. § لا تنتخبوا رواد وخريجي البارات والملاهي الليلية. § نريد من يطهر البلد من الانحلال الاخلاقي ومظاهر الدعارة. § لا نريد من يسعى للوصول إلى المجلس من أجل الشهرة والأضواء. § من أجل الحفاظ على عقيدتنا وديننا لنطرد الشيوعيين من مجالسنا. § مسلمون نعم. سنة نعم. شيعة نعم. ولكن لا للشيوعية في البحرين ولا مكان لها بيننا. التوقيع المؤمنون الأتقياء من الشيعة والسنة. § رسالة هاتفية تم نشرها في دائرة أخرى عن مترشح وطني آخر. تقول المسج: أن المترشح قام بزيارة لإيران بعد انتصار ثورة الخميني وقدم مشروعاً لتسليم البحرين إلى إيران والتعاون مع القيادة الإيرانية!! تستفز مثل هذه المنشورات مخيال الناخب اللاشعوري. المخيال الذي يوجب عليه مباشرة القيام بردة فعل استنصارية، دفاعية عن الإسلام، عن العقيدة، عن المسلمين، عن الوطن. الاستنصار هنا يكون بوجوب انتخاب من تمثل مشاركتهم حماية الدين وهم المناوئون لهؤلاء الذين صدرت في حقهم هذه المنشورات. هذه أقل تقديرات مقتضى الاستنصار. أما في تقديرات أخرى فسيستوجب على الناخب القيام بردة فعل نافرة (صدامات، تسميمات، تهويشات، تخريب اعلانات، ترويج اشاعات، طرد من مجالس،..الخ) لكل من يصنفهم مخياله الجمعي بأنهم أعداء للدين وللإسلام. § سلندر ستيني تقوم هذه المنشورات والرسائل الهاتفية مقام السلندر في قدرتها التفجيرية. لكنها لا تنفجر واقفة مكانها كما في حال السلندر، بل انها تدخل مباشرة إلى قلب مخيال الناخب. وتعمل على العودة إلى الصدام بين المخيال الديني والآيدلوجية القومية واليسارية في الستينيات. تعمل هذه الترويجات السلندرية على تفجير الخصام الوطني واستنفاره واستدعائه وتحريكه، تعمل على تعزيز اختلافاته الفكرية بدلاً من احتوائها. يرى ريجيس دوبري، أن الظاهرة السياسية لا يؤسسها وعي الناس، آراؤهم وطموحاتهم، بل يحدد دوافعهم ما يطلق عليه "اللاشعور السياسي" الذي هو عبارة عن بنية قوامها علاقات مادية جمعية تمارس على الأفراد والجماعات ضغطاً لا يقاوم. علاقات من نوع القبلية العشائرية والطائفية والمذهبية والحزبية، تؤطر ما يقوم بينهم من نعرة وتناصر أو فرقة وتنافر. [1] يمارس الشارع لعبته الانتخابيى مستنداً إلى قناعاته ومعتقداته التي أكسبها إياه مخياله الجمعي. بهذا المخيال ينتج الشارع صورته التي يراها عليه الآخر كما يرى بها الآخر، وبهذا المخيال يحدد الشارع هويته ورؤاه وأهدافه وغاياته، وبهذا المخيال يوزع الشارع أدواره ويعددها، وبهذا المخيال يحدد نوع مشاركته السياسية التي يقبلها، وبهذا المخيال يحدد نوعية مجلسه الانتخابي الذي يطمح إليه، وبهذا المخيال يحدد مشاركته الانتخابية أو مقاطعته، وبهذا المخيال ينتخب رموزه وقياداته، وبهذا المخيال يختار ممثليه ونوابه، وبهذا المخيال يتصالح ويتحالف ويتخاصم ويتنافر ويتناصر ويستصرخ. § عقل المخيال المخيال ليس عقلاً محضاً وليس خيالاً محضاً. المخيال له معقوليته وله أسطوريته وله عاطفته وله قناعته وله رأيه وله ممارسته وله تجربته وله حضوره وله تاريخه الممتلئ. لا يمارس الشارع الانتخابي لعبته الانتخابية مستنداً إلى نظرية معرفية عقلية محايدة. بل يوظف العقل ما يناسب قضيته ويخدم قناعاته. فالعقل هنا ليس سوى أداة تخدم المخيال. تخدم اللاشعور السياسي. لذلك نجد أن الشعارات الرسمية التي تحاول تحييد الناخب "صوتك لمن؟ للعلم، للخبرة، للكفاءة". هي شعارات أقرب أن تكون ضربا من التنظير غير الواقعي، وغير المأخوذ به في الممارسة الفعلية للشارع. شعارات المترشحين غير الرسمية، ومنشوراتهم، ومطبوعاتهم، وخطبهم الانتخابية، ولقاءاتهم الجماعية، تأتي لتلعب على المخيال الذي تعرف أنه الأقوى أثراً في اختيار الناخب. يحرك هذا المخيال لا شعور الشارع، ويوجهه نحو شعور الشعار، يختار الناخب الشعار ولا يختار المترشح، يختار مترشحيه الذين يعتقد أنهم يمثلون هذا الشعار. في هذا الاختيار يحضر البعد الاعتقادي ويغيب البعد المعرفي والإنساني. شعارات مثل "الكتلة الايمانية"، "الكفاءة المؤمنة"، "دفع الضرر"، "الواجب الشرعي"، "القوي الأمين"،...الخ. هي شعارات تناغي المخيال الديني الجمعي. الكتلة التي يصدر في حقها هذا الاسم هي الكتلة التي تتمثل المخيال الجمعي وتدافع عنه وتتحرك من أجله ومن خلاله وتحميه وتمثله خير تمثيل. تحمل هذه الشعارات قوة تأثيرية أكبر في حال صدورها من جهة دينية تحظى بتقدير الشارع، ويرى الشارع فيها أنها الأقرب لتجسيد مخياله الجمعي على أرض الواقع. § الناخب الناعوري في المنشورات السابقة التي فتحنا بها المقال، لا تقوم المنافسة على معيار أن الصوت اختيار للعلم والخبرة والكفاءة كما يدعو إلى ذلك الشعار الرسمي، بل تقوم على أن الصوت هو استجابة لواجب النعرة والنفرة والفرقة والتناصر. لعل هذا يفسر المخيال الذي يستحضره المترشح صلاح علي، حين يؤكد في إحدى الخيم الانتخابية أن "التصويت أمانة وشهادة ولا يجوز كتم الشهادة". الشهادة وفق هذا المخيال واجبة، لأنها تفريق بين حق وباطل، الشهادة وفق هذا المخيال استنصار لطرف يمتلك الحق في مواجهته لطرف آخر ينقصه الحق أو يعاديه الحق، وكتم الشهادة يعني تمكين من لا يحتمل الأمانة ولا يستحقها. والأمانة لا يحتملها إلا من يشترك شعاره معنا في صوت النصرة والنعرة والنفرة. عبر مقتطفات من حوار الكتروني في أحد المنتديات الالكترونية، بين أطراف تنتمي إلى مخيالين شارعيين مختلفين، يمكننا أن نرى بروز الديني في السلوك السياسي، وكيف يعمل اللاشعور السياسي الذي هو مخيال آيدلوجي بالأصل على توجيه هذا السلوك: طرف1: (مدافعاً عن احدى المترشحات الوطنيات المدعومة من قبل كتلة إسلامية وحاربتها كتلة أخرى) ما يخشاه الشعب هو ثقافة الإقصاء والتهميش، فماذا انتجت هذه الثقافة غير تأجج روح الطائفية في أوساط المجتمع. طرف 2: قبح الطائفيين لا يزيد العلمانيين جمالاً. طرف1: نعم أخي نحن الآن بين قبح الطائفيين و جمال أقل للعلمانيين فأيهما نختار؟ طرف2: من وجهة نظري العلمانيين أشد قبحا من الطائفيين، لأن عداءهم لطائفتي ربما، وعداء العلمانيين لديني بأكمله، وديني أغلى من نفسي. طرف1: الطائفيون أعداء للانسان الذي يكون خارج نطاق الفئة الناجية التي هي فئتهم (...) عبدالرحمن الباكر وان كان علمانيا دافع وتحمل العذاب من أجل كل الوطن، فهل أعطي صوتي لمن يرى أن وجودي إثم، وأمنعه عن علماني يتألم لآلامي. طرف 2: التصويت للعلمانيين= التنازل عن الاسلام، دعم العلمانين= تنازل عن المبادئ. في الحوار السابق يبرز المخيال الذي يسيطر على عقلية الناخب الناعوري (طرف2). عبر مخيال النعرة والنفرة يفكر هذا المنتخِب ويعقِل ويختار. وفق هذا المخيال، لا يُغفر (للمنفور منه) أن يكون وطنياً مخلصاً نافراً من أجل الإنسان، ولا يسيء (للمنعور له) أن يكون طائفياً متمصلحاً تقوم نعرته على علاقات القوة والسيطرة والاستبداد. [1] العقل السياسي العربي، محمد عابد الجابري، ص11
السبت, 25 نوفمبر, 2006
§ المنشورات والمسجات التسقيطية هي (سلندرات) كلامية تعمل على تفجير مخيال الخصام الوطني واستنفاره واستدعائه وتحريك مخيال الصدام الستيني والسبعيني القائم على الكراهية والصدامات والتسميمات..
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من البحرين
الفاضلة,
مقال رائع - كعادة كاتبتنا المتميزة.
أتمنى قراءة المزيد من تلكم المقالات الرائدة.
مع الشكر.
أتمنى تخصيص بضع دقائق لتصفح مدونتي الحديثة.
حسن