"إن مثل الدنيا شجرة، ونحن عليها كالفواكه الفجّة، الفواكه الفجّة تتمسك بالغصون بشدة لعدم نضجها، وبعدما تنضج وتصير حلوة يضعف تشبثها بالأغصان. ان التشدّد والتعصب من عدم النضج". جلال الدين الرومي الثمرة الفجّة هي تلك التي لم تنضج بعد، ولعلّ تسميتها بالفجّة جاءت بسبب طبيعتها القاسية والخشنة والمرة واليابسة، وافتقادها لليونة والطراوة والحلاوة. لعل الثمرات الفجّة، لا ترى ما يراه ابن عربي حين يقول " رأيت الكون كله شجرة". تلك الشجرة التي يجتمع لها أصل الكون وبها يكون الكون كوناً. تلك الشجرة العظيمة المحملة بالأغصان الكثيفة الغّضة الوارفة. لعل الثمرات الفجة ترى الكون غير ذلك، وربما تقول "رأيت الكون كله غصناً". لعلها لا تستطيع أن ترى أن أي غصن تتشبث متعلقة به دون غيره من الأغصان، مهما عظم أو قوي أو امتد أو استطال، ما هو غصن واحد من بين ملايين الأغصان التي تتفرع عن تلك الشجرة العظيمة، شجرة الكون. لعلها لا ترى أنه بقدر ما تتفرع الشجرة، وتختلف أغصانها وتتكاثر وتنتشر وتتعدد وتتداخل وتتشابك وتتعقد وتتمدد، فإن الشجرة تكون أرسخ وجوداً، وأكثر عطاءً، وأقوى حضوراً. تكون الشجرة أذرعاً ممتدة إلى أعالي السماء، كما جذورها أذرعاً ضاربة في عمق الأرض. لعل هذه الثمرات ترى أن غصنها الذي يحملها ويرعاها ويمدها بالماء والغذاء واالحياة، هو الغصن الأصل، الأول، الأمثل، الأكمل، الأفضل، الأقوى، الأشد، الذي به تزدهر كل الشجرة وتتقوى، وبه تنبعث لها الحياة، وبه تتكاثر ثمراتها وتتلاقح، وعليه تكبر وتقوم وتتقوَّم، وأن باقي الأغصان الملتفة حوله أو المتلاقية معه أو المتداخلة فيه أو المتباعدة عنه أو المتصادمة معه، ما هي إلا أغصان موات قد أهلكها اليبس والجفاف والقطع المستهتر وعوامل الجو العابثة. لعلها لا ترى أن غصنها ما هو إلا محطة من محطات حياة الثمرة، لكنه ليس غاية حياتها ونهايتها، وأن حياتها الطبيعية كثمرة إنما تسير باتجاه النضج لا البقاء في اللا نضج، وأن النضج إنما يسير باتجاه التحرر من قبضة الغصن لا البقاء في إحكام الغصن، وإلا صار الغصن ليس سوى غصّة وغبن، صار تشبثاً فجّا غليظاً مراً يابساً لا طراوة فيه ولا ماء يضج بالحياة. لعل هذه الثمرات ترى أنها خارج قبضة غصنها تكون لا شيء، تكون سقطاً أو ساقطاً ينقطع عنها ماء الحياة، لكنها قد تجهل أن التعلق الأبدي بالغصن، مع بلوغ مرحلة النضج الطبيعي، يجعلها تشيخ وتهرم، وهي لم تزل بعد غير قادرة على التعبير عن نضجها الذي بلغته، غير قادرة على الاستقلال بذاتها، على شق طريقها بنفسها فوق أرض الشجرة الكون أو بين حنايا الكون الشجرة. ولعلنا بعد كل هذه اللعلات (جمع لعل).. نقبل ببساطة أن نرى ثمة ثمرة فجَّة، تتشبث بفجاجة (كونها لم تنضج بعد)، بأحد أغصان شجرة الكون خلال مرحلة هامة من مراحل حياتها، وصولاً إلى نضج معين. لكن ما لا يمكن للعقل قبوله، هو أن تبقى الثمرة فجَّة طوال حياتها، أو أن تبقى أبدية في تعلقها الفجّ، على غصن تبقى تراه وحده كل الشجرة، وغاية ما في الكون.
السبت, 29 يوليو, 2006
أضف تعليقا
اضيف في 10 مارس, 2007 07:38 ص , من قبل buterfly06
من البحرين
من البحرين

رئيس جمهورية نفسك..
أعجبني اسمك الرمزي كثيراً، وأعجبني أكثر أن تكون تكون لك جمهوريتك الخاصة، داخل مملكة..
شكراً لتشريفك مدونتي. اعتز بقراءتك الناضجة..
تحياتي
اضيف في 10 مارس, 2007 07:39 ص , من قبل buterfly06
من البحرين
من البحرين

رئيس جمهورية نفسك..
أعجبني اسمك الرمزي كثيراً، وأعجبني أكثر أن تكون تكون لك جمهوريتك الخاصة، داخل مملكة..
شكراً لتشريفك مدونتي. اعتز بقراءتك الناضجة..
تحياتي
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من المملكة العربية السعودية
سيدتي الكريمه ...باسمه
لقد تبسم عقلي من ثراء مدوناتك في أثر الفراشه
لا أملك ماأقول ...إلا أنني أنحني إجلالا لعلقك الفذ,,,
سيدتي في ثمرة فجه..تنورت الكثير وأبصرت حكما ليتها تسكن عقول العرب وقلوبهم كذلك
سيدتي ..قد نوهتِ في هذه المدونة الرائعه لأفكار تبدو متعلقه تماما بالثمار والأشجار...لكن من يقرأ ماوراء الأسطر يكتشف انك أردت بالثمره الفجه تشبيه غامض يدلنا على المتعصبين والمتعنتين المتمسكين بأغصانهم ((أفكارهم)) وقد أعجبني التشبيه إذا أورد عدم نضج الإنسان المتعصب
وأن المبدأ في اللين مبدأ اسلامي عظيم إذا قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "ماكان اللين في شيء إلا زانه .. وما نزع من شيء إلا شانه"
وفقك الله سيدتي
دمت بود