جهاتنا الأربع اليوم.. أنت يا بيروت لم تتركي لنا يا بيروت اليوم، خيار أن نتجه إلى غير جهتك، وليس بإرادتنا إن عكفت أعيننا لا تجيد أن تحملق، بل لا يعنيها أن تحملق، سوى في ضاحيتك، في جنوبك، في بقاعك، في سهلك، في بحرك، في جوك، وكأن العالم أضحى جهة واحدة يا بيروت.. أضحى جهتك.. من كنت جهة لسفره يا بيروت قبل أعوام، أو قبل عام، أو قبل أيام قليلة فقط من بدء العدوان (كما حدث معي)، لا يمكنه أن يتجه نحوك اليوم، لا يمكنه أن يقرأ عنك أو يسمع، لا يمكنه أن يكتب عنك أو إليك، إلا ودموعه تخنق كلماته وتضعفها، إلا وآهاته تشتت أفكاره وتبعثرها، وهذا ما يجعلني أجد الكتابة إليك أمر صعب جداً جداً .. كنا حتى وقت قريب يا بيروت، كلما سئمنا التنقل بين وجوه عواصمنا المتشابهة حد التناسخ، شردنا بأفقنا نحو وجهك المختلف، فتحنا متشابهاتنا السمجة على مختلفك السمح، طلبنا منك انتعاشة تضيئنا بالغيرية والاختلاف. وحده وجهك يا بيروت لا يشبهه أي وجه آخر، لذلك لا عجب إن صرخت ماجدة الرومي ملء حنجرتها، باسم كل من حمل بيروت معاصيه "نعترف أمام الله العادل، أنا كنا منك نغار، وكان جمالك يؤذينا". ليس غريباً على الوجوه المتشابهة حد العماء، أن تغار من جمال وجهك المختلف حد الدهشة، ليس غريباً أن يتأذى رتم لونها الواحد، من تناسق ألوانك المتعددة، حين تكشفين له عبر أضاءاتك، ظلاماته المتعددة. وحده وجهك يا بيروت قبلة نظر الشاردين والباحثين عن المختلف. كنا حتى وقت قريب يا بيروت، كلما بحثنا عن مكان يصالح بين شرق متناحر مع غرب، وغرب متناحر مع شرق، نظرنا ناحيتك، فوجدناهما يقطنان بيتك متساويين متآلفين متسامحين متعاونين، أليس شعبك هو من وصفه فيلسوفك شارل مالك، بأنه شعب يمكنه وحده الوصول إلى "قدس أقداس" الغرب و"قدس أقداس" الشرق في آن معاً. أليس هذا ما يجعل شعبك يتفاخر (وله الحق أن يتفاخر)، حين يتسائل: في أي مكان آخر من العالم، يمكن العثور على وضع يجتمع فيه الشرق والغرب فيه على قدم المساواة على هذا النحو المثالي؟. ولعل الوصول إلى "قدس أقداس" الشرق والغرب في آن معاً، هي وصول شعبك إلى هذه الحقيقة؛ وحده شرقك وغربك يا بيروت أدركا معاً وفي آن واحد، أن (قدس الأقداس) التي طالما كان يبحثان عنها، هي أن يتساوى أحدهما بالآخر. كنا حتى وقت قريب يا بيروت، كلما ضاقت بنا منازلنا (الضيقة أصلاً)، اتجهنا إلى رحابة بيتك الذي وصفه المؤرخ اللبناني كمال الصليبي بأنه "بيت بمنازل كثيرة". ففي بلداننا العربية منازل كثيرة، لكنها بلا بيت. حين نتجه إلى بيتك يا بيروت، فإننا نتجه إلى البيت بما هو احتواء ولمّ وشمل، بما هو انتساب وصلة أكثر خصوصية، بما هو تسامح ومودة واحترام، بما هو قرابة ومشاركة وعيش، بما هو بيتي وبيتك وبيتنا وبيتهم جميعاً. نعم يا بيروت، نحن لدينا منازلنا الكثيرة، المنزل بما هو نزل كثيرة، بما هو سقف وجدار، بما هو حد وفاصل، بما هو حاجز ومانع، بما هو تجمع وتفرق، بما هو جهة شرق وجهة غرب، بما هو آخر مختلف، بما هو أنا أو أنت أو نحن أو هم فقط. لكن وحدها منازلك يا بيروت انتسبت لميثاق بيت واحد تنزل عنده رغبة كل المنازل وتتواضع عنده كل السقوف. كنا حتى وقت قريب يا بيروت، كلما أدرنا أن نغسل وجوهنا الملطخة في وحل الغروب، جعلناها تشرق في سماء جنوبك، تلك الفتاة العذراء العصية على الاغتصاب، تلك الروح المتمردة على الخنوع والاستسلام، تلك الطبيعة الجبلية القاسية على الإنجراف. فرأينا إن الروح إنما تنحاز لهبة الحياة، بقدر ما تحمل من الانحياز لمعنى الكرامة والوطن. وحده جنوبك يا بيروت لا يأتيه الغروب. اليوم يا بيروت.. صارت كل جهاتنا أنت.. أو كما يقول الشاعر أحمد مطر "الجهاتُ الأربع اليوم جنوبْ ".. صارت كل التفاتتنا أنت.. كل نظرتنا أنت.. كل تطلعنا أنت.. كل محط أنظارنا أنت.. كل موضوعنا أنت.. كل فعلنا أنت.. اليوم أنت قيمتنا يا بيروت، فالقيمة كما يراها نيتشة هي ما يتجه لها النظر، هي ما يضعه فيها من مقدار، هي ما يعول عليه، هي ما يقصد، هي ما يحط بنظره عليه، هي الموضوع والفعل، هي قبلة النظر. اليوم أنت كل هذا. كل قيمتنا وضعناها فيك، أنت يا بيروت اليوم قبلة نظرنا، لأنك أنت إرادة الحياة، وغيرك، ممن يغارون منك، هم إرادة الموت. اليوم أنت وحدك الحياة الجديرة بالعيش، وغيرك ممن يخافون مغامرتك هم الجديرون بالإنكفاء في جحورهم المظلمة. إن كان للمغامرة (غير المحسوبة) ثمة قيمة تحتسب، فهي أنها جعلت من لبنان جهة نخفق إليها بكلنا، وإن كان للعقل ثمة إثم لن يغتفر، فهو أنه سلب من قلوب أولئك الذين يغارون من بيروت، هبة الخفقان..
السبت, 29 يوليو, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








