شارك آلاف البريطانيين قبل أيام قليلة في تظاهرة كبيرة في لندن دعا إليها تحالف "أوقفوا الحرب" احتجاجا على الحرب الإسرائيلية على لبنان ودعما لوقف إطلاق النار. اجتمع المتظاهرون في هايد بارك باتجاه سفارة الولايات المتحدة قبل أن يتجهوا إلى مقر رئاسة الحكومة ومن ثم إلى مقر البرلمان. المتظاهرون الذين نددوا بقتل الأطفال في لبنان، لم يجدوا وسيلة أبلغ في توصيل رسالتهم من ترك أحذية أطفال أمام مدخل توني بلير. وحدها أحذية أطفال الحرب لا تغادر الأطفال بل يغادرها الأطفال. وحدهم أطفال الحرب يموتون وتبقى أحذيتهم. لا تتيح الحرب للأرجل الصغيرة أن تكبر يوماً، لا تتيح لها أن تستبدل أحذيتها الصغيرة بأخرى كبيرة. كم يعشق الأطفال الصغار ارتداء أحذية الكبار، كم يرون أنفسهم كباراً بها، لكن أطفال الحرب لا يكبرون. ليس أكثر علامةً على وجود الإنسان في مكان ما، من حضور حذائه عند مدخل ذلك المكان. فإذا غاب الإنسان وحضر الحذاء، فإن الحذاء لا يبقى علامة وجود، بل يصبح علامة تقول شيئاً آخر. أحذية الأطفال الرابضة عند مدخل بلير، ليست علامة وجود، إنها علامة سلب للوجود، علامة على الجريمة، علامة على الحرب، علامة على الموت، علامة على القتل، علامة على التواطؤ، علامة على الصمت، علامة على التحريض، علامة على التغييب، علامة على خطف حياة لم تبدأ بعد، علامة على شرق أوسط جديد. ومن هذه العلامات يتشكل العالم، بإرادة القوة، لا بإرادة الأطفال ووجوههم الحالمة بعلامة سلام لا تأتي. تُنشل أجساد قتلى الحرب وتبقى أحذيتها متناثرة على الأرض. ليست تنشل أحذية القتلى وليست تدفن، إنها تبقى منتشرة على الأرض لتقول شيئاً. فإذا كان العالم هو مجموع العلامات التي بها نرى، فإن تلك الأحذية الصغيرة المتناثرة، هي علامات تُري العالَم وبلير وبوش ورايس وحلفاءهم أن هناك عالماً من أحذية صغيرة، تحمل وجوه ابتسامات أطفال غادروا وتركوا إلى جنب حذائهم المُخرَّق بالرصاص، عالماً من حلم لا يرسم علاماته تجار أحذية أو ماسحو أحذية. لم تكن تلك التظاهرة الأولى من نوعها التي يعلن فيها الحذاء موقفه الرافض للحرب، ففي سابقة قبل عامين، واحتجاجاً على الحرب الأميركيّة في العراق، أقامت منظمة سلميّة أميركيّة معرضاً في الهواء الطلق في حديقة الكابيتول، على بعد أمتار من مبنى الكونغرس الأميركي، حمل عنوان "عيون مفتوحة جيداً". المعرض الذي جاء لإعلان رفض الحرب بخسائرها البشريّة الكبيرة، لم يكن يحتوي إلاّ على 800 حذاء لجنود أميركيين "قُتلوا في العراق"، تمّ ترتيبها بشكل يظهر فيه اسم الجندي القتيل قرب حذائه الناطق باحتجاجه على الموت. لعل شكل الحذاء أشبه شيء بشكل العين، ولعل معرضاً يحتوي على أحذية يسمى بـ"عيون مفتوحة جيداً " هو ما يجعل من الحذاء عيناً تكشف وتُري وتظهر. وكما كانت أحذية الأطفال الصغيرة علامات تقول، فإن أحذية الجنود الكبيرة هنا عيون تكشف أيضاً. احتوى المعرض على 800 حذاء، أي 800 عين، 800 علامة بها نرى.. ليست أحذية الجنود عيوناً تكشف الخسائر البشرية الكبيرة فقط، فأحذية الجنود عيون تفتحنا على سير كل هؤلاء الجنود قبل أن يكونوا أدوات حرب، وقبل أن تزج بهم أمريكا في حرب هدفها الهيمنة على العالم، تحتج أحذية الجنود على الثمن الذي دفعه أصحابها دون أن يقتنعوا بعدالة قضيتهم التي ماتوا من أجلها، ولعل أحذية الجنود الإسرائلية اليوم ستقول الشيء نفسه لو تركت في فضاء يسمح لها بالكلام. فضاء منفك من هيمنة الأيديولوجيا العنصرية والدينية المغلقة بأسطورة " شعب الله المختار". أحذية الجنود الأمريكيين عيون مفتوحة جيداً، لمن يريد أن يعرف كيف عاش هؤلاء، وكيف مات هؤلاء، ولم مات هؤلاء، وكم َقَتل هؤلاء قبل أن يُقتلوا، وكم داسوا بأحذيتهم الكبيرة تلك أجساداً صغيرة، وكم سحقوا بها أرواحا بريئة. لا شك أن وراء كل حذاء من أحذية الجنود الكبيرة ثمة حكاية تستحق أن تُرى بعيون مفتوحة جيداً، ثمة حياة وموت وثمة صرخة بينهما. لكنها تختلف عن تلك الحكاية التي تحملها أحذية الأطفال الصغيرة التي لم تتركها الحرب لتكبر. لا يجمع بين أصحاب الأحذية الصغيرة وأصحاب الأحذية الكبيرة سوى الموت، ورغم بون المسافة بين سير أصحابها، لم تتردد الأحذية أن توثق موقفاً مشرفاً موحداً ضد الحرب غير العادلة، وضد القتل غير المبرر، وضد الموت غير المشرف، وضد الديمقراطية المنحازة، وضد الشرق الأوسط المفصل. فكانت صوتاً وصرخة، كانت رسالة وبياناً، كانت إعلاناً وإعلاماً، كانت علامة وعيناً كبيرة. والآن بعد أن قالت الأحذية مقولاتها وتقولت العقول. هل يمكن للعقول التي طالما سخرت من حقارة الأحذية واستهزأت بمنزلتها ودونيتها وضحالتها وغبائها وتبعيتها، أن تكون حضور صمود يشبه صمود الحذاء يوماً، أو أن تكون عين تشبه عيون الحذاء المفتوحة جيداً، أو أن تكون علامة تشبه علامات الحذاء العالِمة المُعلِّمة، أو أنه من الخير لها أن تصمت وإلى الأبد..
الخميس, 10 اغسطس, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








