أثر الفراشة
لو أن فراشة هزت جناحها في مكان ما، قد تسبب اعصاراً في مكان آخر من العالم
معلومات المدون:
الإسم : باسمة القصاب
البلد : البحرين
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
لا أدري.. هل أنا فراشـــــــــــة.. أم أنا شيء من أثـــــرها..

:: الليبرالية الجديدة: ما تقوله أمريكا يمشي

"إن عملية (السلام) عبارة أورويلية، تستخدم بطريقة غير نقدية في الولايات المتحدة، وتبتنى في معظم أرجاء العالم نظراً لنفوذ أمريكا وقوتها الهائلين، وفي الممارسة، تحيل العبارة إلى أي شيء قد تفعله القيادة الأمريكية في هذه اللحظة، وهو في الغالب تقويض لعملية (السلام) بالمعنى الحرفي للعبارة، كما يوضح فحص الحقائق" نعوم تشومسكي

صاحب العبارة السابقة ليس سياسياً عربياً متحاملاً على السياسة الأمريكية المنحازة ضد العرب والمسلمين، فهو ليس سوى ناقد سياسي أمريكى من أصل يهودي، يعمل بلا كلل على فضح وتعرية السياسات الامبريالية المتعجرفة وخصوصاً سياسة الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا ما يجعلنا نبدأ من خلال نقد غربي عقلاني متزن، لا من خلال هيجان إنفعالي عربي غير عقلاني. أقول ذلك من أجل مزيد من الاطمئنان لليبراليين العرب الجدد،  فالعقلاني هو كل ما يأتي من الغرب والهيجاني هو كل ما يأتي من الشرق بحسب خطابهم النابز دوماً لكل ما هو شرقي، والمادح دوماً لكل ما هو غربي.

لماذا يذهب تشومسكي إلى أن عملية السلام هي عملية جورج أوريلية؟

 في روايته الشهيرة 1984، يكشف جورج أوريل (الخبير بأساليب السلطة وحيلها) تلاعب السلطة الأمريكية باللغة وإعطائها المعنى الذي تريده للكلمات؛ فالسلم هو الحرب، والحرية هي القهر، والمقاومة هي الارهاب، والكرامة هي العنف، والإبادة هي الدفاع عن النفس، والمُحتل هو صاحب الحق، والمجزرة هي الخطأ. إنها تسبع المعنى الذي تريد على الكلمات التي تخدم تطلعاتها ومصالحها ورؤاها وأهدافها وبرامجها.

أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً عبارة رنانة (وليس لمثل أمريكا جرأة في إطلاق العبارات والشعارات الرنانة)، حول مشروع السلام في الشرق الأوسط الجديد. من أبرز معالم سلام هذا المشروع (دون أن نحتاج لقراءة وفهم بليغين كما يدعونا إلى ذلك زعيم الليبرالية الجديدة شاكر النابلسي) هو خلع كل شكل من أشكال المقاومة التي لا تخضع لنفوذ أمريكا وقوتها الهائلين.

ولأن محتوى المشروع الجديد "لا يتضمن ابداعاً"، فهو لن يختلف كثيراً عن "النظام العالمي الجديد" الذي أطلقه بوش عام 1991 تحت شعار " ما نقوله يمشي".  ليس من باب "صياح الديكة" ولا من باب "إحالة الديوك إلى فيلة" أن يتنبأ أحد "بما يقوله" المشروع الجديد حتى قبل قراءة تفاصيله وبنوده ودقائقه. ذلك أن (سلام) أمريكا المفصل ليس جديداً علينا وعلى كل العالم، كما أن نظامها الذي دائماً ما يأتي ليجدد (نظام عالمي جديد، شرق أوسط كبير، شرق أوسط جديد...)، هو ليس بجديد إلا بمقدار خضوعه واستجابته لـ " ما نقوله يمشي".

لست أدري أي جديد يمكن أن يأتي تحت هذا الشرط، وأي قراءة حصيفة يمكنها أن تكتشف جديدا تحت هذا الشرط. الجديد ربما هو ما تبشرنا به نبوءة الليبرالي الجديد الذي ينتظر الحقيقة بقلب صوفي سادن في الملكوت، ينتظرها من أي جهة تأتي كما يقول النابلسي "أياً كانت هذه الحقيقة، سواء كانت عند العرب أو العجم، عند الشرق أو عند الغرب، عند الكورد أو عند الآشوريين، عند اليهود أو عند البوذيين، عند المسلمين أو عند المسيحيين، عند أبيه أو عند أمه". لكن الحقيقة لا تأتي، الحقيقة تساق وتطبخ وتضبط وتفرض، الحقيقة جورج أوريلية يا سيد شاكر الصوفي.

الليبرالية العربية الجديدة مستسلمة إلى المشهد الأمريكي الذي تعتبره شخصية عقلانية واقعية علمية وطنية لا عرقية. لم تستطع أن ترى المشهد من جهاته العدة بعينين صحيحتين، بل لا زمت الحقيقة وفق التفصيل الأمريكي،ولم تستطع التحرر من "ما نقوله يمشي" الأمريكية. أي شيء قد تفعله القيادة الأمريكية في هذه اللحظة يمشي في خطابها بل إنها تخلع عليه عبارات المديح وأوصاف العقلانية. لذا لم تستطع الليبرالية العربية الجديدة أن ترى ما رأته عين الناقد اليهودي تشومسكي من لعبة الكلمات والخطابات ومراوغاتها وتسمياتها (الجديدة) رغم أن المعنى المخفي في جميعها واحد وهو " ما نقوله يمشي".  

 

هل يمكننا أن نفسر الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل وممارساتها في المناطق الفلسطينية بظاهرة العداء للسامية؟

في سجال نشر مؤخرا على موقع قنطرة الإلكتروني حول السؤال السابق،  طرح الفيلسوف البريطاني بريان كلوغ وهو باحث في مجال الفلسفة في سانت بينيتس هول في أكسفورد. وهو أحد الأعضاء المؤسسين للمنبر اليهودي للعدل ولحقوق الإنسان، وهو من أسلاف يهودية، طرح التالي:

"إسرائيل اليوم تمثل قوة عظمى في منطقة الشرق الأوسط. وعندما يرد أناس الفعل على الطريقة التي تمارس بها الدولة العبرية سلطتها وبصفة خاصة في المناطق المحتلة، أو عندما ينظر إليها كرأس حربة للقوة العظمى الأميركية: فإن هذا ليس من قبيل الأفكار المسبّقة.

ولا هو أيضا بمعاداة للسامية. وعندما نعلن بأنها معاداة للسامية، والحال أنها ليست كذلك، فإننا لا نجرد العبارة من قيمتها فحسب، بل نُفقد أنفسنا المصداقية أيضا ونثير استنكار أناس من ذوي النوايا الحسنة".

في مقابل هذا الطرح اليقظ جدا للعبة تزييف الكلمات، تلك اللعبة التي فضحها جورج أوريل، نجد الليبراليين العرب الجدد يدعوننا إلى التحرر من الأفكار المسبقة التي ترينا أن إسرائيل رأس حربة.  

تدعو الليبرالية العربية الجديدة إلى "تحرير النفس العربية من أوهامها" و"تحرير النفس العربية من ماضيها"، لكنها في ظل سعيها للانفكاك من هيمنة الماضي والأوهام، وقعت في هيمنة "ما نقوله" الأمريكية، في هيمنة صيغها الجديدة وفي تفصيل عباراتها الأوريلية.

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية