"لماذ يكرهوننا؟" أو " Why do they hate us?" هو عنوان المقال المنشور في مجلة نيوزويك على الصفحة الرئيسة لعدد أكتوبر 2001. فريد زكريا [1] هو أول من استخدم هذا التعبير الذي أصبح واحداً من أكثر التعابير شهرة فيما بعد. أعيد استخدام هذا التعبير كثيرا من قبل العديد من المسئولين والمفكرين الأميركيين. أصبح " لماذ يكرهوننا" مثار سؤال الشارع الأميركي ومحل جدل بيوتاته السياسية والثقافية والفكرية، ومنها انتقل إلى جدل العالم حول تداعيات السياسة الأميركية. سؤال " لماذا يكرهوننا؟" صار السؤال الأول المتصدر لقائمة الأسئلة المطروحة على السياسة الأميركية مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر. لم تكن أميركا قبل هذا الحدث تستحضر مثل هذا السؤال الذي يجرح نرجسيتها. أميركا ترى نفسها حضوراً فوق المساءلة والمحاسبة. قوة فوق المفاجأة والحدث. قوة فوق المشاعر والأفعال. "لماذا يكرهوننا؟" هو قول إنشائي استفهامي، لكنه أقرب إلى الإخبار منه إلى الاستفهام. هو خبر مصاغ على هيئة سؤال. أو لنقل هو جواب مختزل على سؤال ملح وهام: لماذا أحداث 11 سبتمبر؟، وكأن سؤالنا الأول يجيب: لأنهم يكرهوننا. ستنجز القوة الكامنة في هذا السؤال أفعالاً كبيرة، ستستنطق ردود فعل كثيرة، ستخبر عن حقائق، ستكشف عن تراكمات، ستستحضر أحداثاً وسياقات، ستتلو شواهد، ستروي تاريخ، ستفيض بمشاعر، ستكشر عن أنياب، ستأخذ أرواح آلاف الضحايا، ستصنع إرهاباً، ستشن حرباً ضد الإرهاب، ستجعل من كل فعل (لا تحبه أمريكا) إرهاب، ستستعيد حروب صليبية، ستعلن عن نظام عالمي جديد، ستتمخض عن ولادة شرق أوسط جديد، ستفعل الكثير الكثير. كم هو قوي هذا السؤال. قوته ستتجاوز كثيراً حجم الحدث وقوته: " لماذا يكرهوننا؟" يتحرك هذا السؤال بين طرفين. طرف يكره، وهو طرف ضميره غائب (هم)، مقابل آخر مكروه، وهو طرف ضميره حاضر (نحن أميركا). قد يقرأ البعض السؤال بأنه انحياز لصالح الضحية المكروهة (نحن أميركا). لكن الوجه الآخر للسؤال هو غير ذلك، هو انحياز ضد ما يجعل من أميركا طرفاً مكروهاً. الكره بما هو رد فعل طبيعي لأفعال مكروهة. يحيل السؤال إلى أفعال أدت إلى كره طرف: "القوة المفرطة" [2]، التعجرف، التسلط، الهيمنة، السيطرة، الاستفزاز، الاستخفاف، التعالي، الوصاية. كما يحيل إلى ردود فعل من قبل الطرف الكاره: الاضطراب، السخط، الغضب، الاستياء، التمرد، الحقد، الانتقام، الانفجار. أحداث 11 سبتمبر، كانت حدثاً لإخراج فعل (الكراهية) من القوة (حيز الوجود غير الظاهر) إلى الفعل (حيز الوجود الظاهر والمعلن). كانت بمثابة أول إعلان ملموس وظاهر ومشهود ومتفجر (للكره). لم تكن أحداث 11 سبتمبر تفجيراً لابراج التجارة العالمية فقط، بل كانت تفجيراً للكره المتكدس والمحموم ضد أميركا.. كم هو غريب أن يكره العالم الدولة التي أعلنت منذ بدايات القرن العشرين عن "حق الشعوب في تقرير المصير". كم هو غريب على الشعوب التي غاية ما تحلم به هو قليل من الحق في تقرير مصيرها، أن تكره من يصرّح لها بهذا الحق. كم هو غريب أن تتحول الصورة الايجابية التي خلفها إعلان الرئيس ويلسون لهذا الحق، والتي لاقت استحسان العالم آنذاك، إلى صورة أخرى تماماً في بدايات القرن الواحد والعشرين، إلى صورة (يكرهوننا). لكن الغريب أكثر هو أن بوش ومن أجل دلدغة غرور حكومته المجروحة بكراهة السؤال، يستخدم نفس هذه الحجة (حق الشعوب في تقرير مصيرها) في تفسير سبب كره الشعوب لحكومته "يسأل الأمريكيون: لماذا يكرهوننا؟ إنهم يكرهون ما يرى هنا بالضبط، في هذه القاعة، حكومة منتخبة بصورة ديمقراطية. فقادتهم ينصبون أنفسهم قادة. إنهم يكرهون حرياتنا.. ". غريب أن تكره الشعوب ما تحب، في وقت، صار من يملك فيه شيء مما تحب، قليل جداً. مهما كان من إجابة بوش المبرئة للذات (مطلقاً) والمتهمة للغير(مطلقاً)، مهما كان من تحايلاتها وهروباتها، مهما كان من عنترياتها وغرورها الكريهين، فإن سؤال "لماذا يكرهوننا؟" يبقى أقوى من كل الاجابات التي حاولت إسكاته أو إشباعه، يبقى سؤال " لماذا يكرهوننا؟" مفتوحاً على جذور التاريخ والثقافة والأحداث والوقائع والخطابات والتجاذبات والصراعات والمصالح والنزاعات والتغيرات. يبقى يحيلنا إلى ما لانهاية له من التراكمات والتركيبات والمسبقات والأنساق والخلفيات والذهنيات. يبقى كل وجه من وجوه الاجابة عليه يظهر بقدر ما يخفي من الحقائق والدقائق والتفاصيل. أقول، لو لم يكن من ذاك أحداث 11 سبتمبر إلا أن أفرزت سؤال مثل "لماذا يكرهوننا؟"، لكفاه أن يكون حدثاً عظيماً. لست أعظم فظاعة الفعل وفظاظته، إنما استكبر أن يصل حدث ما بأمريكا أن يجعلها تبدأ طرح الأسئلة على نفسها. وبعيداً عن الرضوخ لصوت الاتهامات التي ترى في ذلك تقليلاً من هول الحدث، أو ترى في كل تفسير ليس يربت (حباً) على كتف أمريكا، أنه تبرير للهجمة الهمجية، فإن سبتمبر هو من الفرادة بحيث جاز له أن يكون حدثاً عظيماً على جميع المستويات. فالحدث القادر على اشعال فتيل الأسئلة الجرئية وغير المتوقعة هو حدث عظيم دون شك، الحدث الذي يستحضر الصور الغائبة أو المغيبة ويجعلها مرئية ومشاهدة أمام أعيننا هو حدث عظيم. الحدث الذي يضطرنا أن نجيب على أسئلة تجرح نرجسيتنا هو حدث عظيم. الحدث الذي يحرج إجاباتنا كما فعل مع إجابة بوش هو حدث عظيم. الحدث الذي يسوقنا نحو إعادة قراءة علاقتنا بالعالم هو حدث عظيم. الحدث الذي تبقى أسئلته قائمة وتبقى إجاباته معلقة هو حدث عظيم. الحدث الذي يرينا وجهنا الكريه هو حدث عظيم حتى إن كان حدثاً كريهاً في حد ذاته. هوامش [1] أميركي من أصل هندي. رئيس تحرير نيوزويك الدولية. أحد ألمع المعلقين في السياسة الدولية الأميركية. [2] عبارة "القوة المفرطة" أطلقها وزير خارجية فرنسا الأسبق لوصف أميركا في عهد "كلينتون".
الخميس, 14 سبتمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








