أثر الفراشة
لو أن فراشة هزت جناحها في مكان ما، قد تسبب اعصاراً في مكان آخر من العالم
معلومات المدون:
الإسم : باسمة القصاب
البلد : البحرين
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
لا أدري.. هل أنا فراشـــــــــــة.. أم أنا شيء من أثـــــرها..

:: االمدونون..الفاتحون للغُرُفات.. الخارجون على كل ما تغرَّف

 
 
 
 
إبان الحرب على العراق في 2002 ، ظهرت عدد من المدونات المؤيدة للحرب، أشهرها إنستابوندت. وفي 2003 ظهرت أخرى مناوئة للحرب، قام عليها بعض مشاهير السياسية الأمريكية من أمثال هوارد دين، للتعبير عن مواقفهم السياسية. حظيت هذه المدونات باهتمام عدد من وسائل الاعلام والمجلات الشهيرة مثل مجلة فوربس، التي غطتها في مقالات لها.

ظهرت في الفترة نفسها مدونات يكتبها عراقيون. يعيش بعضهم في العراق. يدونون الأيام الأخيرة لنظام صدام حسين، ويكتبون حياتهم في ظل الاجتياح الأمريكي. اكتسبت بعض هذه المدونات شهرة واسعة، عُدَّ قراؤها بالملايين. طبعت مقالات مدونة أين رائد؟ (Where is       Raed?) في كتاب.

في 2004 أصبحت المدونة ظاهرة عامة بانضمام العديد من مستخدمي الإنترنت إلى صفوف المدونين وقراءها، كما تناولتها الدوريات الصحفية.[1]

ما المدونات؟ ما التدوين؟ من المدونون؟ ماذا يدونون؟ إلى أين تسير ظاهرة التدوين؟

 

 

أكثر من 12 ألف مدونة يتم إنشاؤها يومياً. أي بمعدل مدونة لكل سبع ثواني. كلمة (weblogs) حديثة في العالم العربي. تتكون من جزئين: ويب (web) تشير إلى الانترنت، لوغ (log) تشير إلى التدوين. دمجت لتصبح ويبلوغ، ثم بلوغ (blog). عُرفت في العربية باسم المدونات.

استقطبت المدونات المثقفين والمهتمين والكتاب والأدباء والمفكرين والفنانين والمبدعين، كما استقطبت، بالقدر ذاته، الهواة والشباب والمراهقين والمبتدئين. فرضت المدونات وجودها ولفتت نظر الإعلام العربي والعالمي. الكاتب محمد حسنين هيكل يقول لإحدى القنوات الإخبارية "أنا أجد شخصا يكتب باسم مستعار هو بهية، ولست ادري من هي لكني أطلب من مكتبي أن يعطوني مقالات بهية كلما تصدر، لأنني أتابعها باعتبار وباحترام أكثر من أي صحافي في أي جريدة". تأتي المدونة على شكل موقع شخصي ينشئه المدون بسهولة ودون تعقيدات تقنية أو فنية. لا يخضع إنشاء المدونات لاشتراطات شخصية أو مهنية أو أدبية أو قانونية أو رقابية. تخضع لاشتراطات المدوِّن وحده فقط. "إنهم لا يدينون بالفضل لأحد. ينشرون المعلومات. يشيرون إليها ويعلقون عليها وفقاً لمعاييرهم الخاصة المميزة" [2].

 

المدونة جهة نشر كاملة؛ في مدونتك أنت المحرر وأنت رئيس التحرير. أنت المنفذ وأنت مدير التنفيذ. أنت الناشر وأنت مؤقت النشر وأنت اشتراطات النشر. أنت الكلمة وأنت مدقق الكلمة وأنت مراقب الكلمة. أنت سقف تدوينك. أنت حد حريتك.

المدونة شيؤك الخاص الذي تحمله في داخلك. غرفتك. "كل إنسان يحمل في داخله غرفة" (كافكا). غرفة كل منا مليئة بالقصص والحكايا والمواقف والتصورات والرؤى والأحلام والأحكام والأوهام. في غرفتنا نعكف نبلور مفاهيمنا الخاصة لأنفسنا والعالم والانسان. تتسع غرفتنا حين تتصل مع غرف الآخرين. حين تصير بلا سقف. حين تصير حوشاً يجمعنا، يفتحنا على الضوء. المدونة تفتح غرفتنا على غرفات الآخرين. تحميها من الضيق والانغلاق، تحميها من أن تبقى صندوقاً محكماً مظلماً.

 

أنفاس المدونين

الانسان متصل بطبعه. يريد الانسان ليعبُر بغرفته نحو غرف الآخرين. يريد أن يفتح مغاليقه على مغاليق الآخرين. يريد أن يهدم كل الحواجز والجدران والأسوار والأغلفة. أن يحرر داخل غرفته من التوحش والتبلد والانزواء. أن يجعل العالم مكاناً للفصح والفضح والكشف والاعتراف والمشاركة والقول والتداول والأخذ والعطاء والتبادل والتناول. لهذا كان الانسان كائن مدوِّن بطبعه. يدوّن ذاته الفردية (مشاعره، تصوراته، احتياجاته، احتجاجاته، اعتراضاته، تحليلاته، قراءاته، آراءه، آماله، رؤاه)، كما يدوِّن ذاته المركّبة (وسطه، ثقافته، دينه، جماعته، مجتمعه، تراكماته، مرجعياته المعرفية، نظمه الفكرية).

المدونات اليوم، وأكثر من أي تدوين مضى، أتاحت للإنسان، أياً كان وكيفما كان، أن يتصرف في غرفته الانفرادية. أن يخلع سقفها. أن يقول فيها وفي الكون ما يشاء. "ليس من الواقعي أن نتوقع من كل مدون/مدونة أن تقدم صورة متوازنة للعالم، لكن من المنطقي جداً أن نتوقع منهم أن يتحدثوا عن مصادرهم وتحيزاتهم وسلوكهم" [3]. هنا تكمن قدرة الانسان على التصرف؛ التصرّف بما هو قراءة وفهم وتحليل وتفسير وربط وتأويل وإقامة علاقات مختلفة بين الأشياء المختلفة. يتصرف الانسان في العالم حين يعدد مصادره التي يخبر بها عن العالم. حين يمايز الأشياء ويفاضل بينها، حين يقدم حججه التي يقرأ بها تحيزاته للأشياء. حين يفسِّر سلوكاته ومواقفه وتصرفاته. حين يجعل من غرفته نافذة مفتوحة على العالم، حين يتيح للآخرين أن يقرءوها ويفهموها ويخترقوها ويختلفون معها ويتشاكلون معها ويتعددون فيها ويتسعون ويمرحون ويلعبون ويجدون فيها شيئاً من ذواتهم..

الكائن المدوِّن يمتلك القدرة على التصرَّف في العالم الكبير بذاته الصغيرة. فالعالم الكبير مجموع تلك الذوات الصغيرة. و(الصورة المتوازنة) للعالم ليست ما تقدمه الذات المفردة وحدها. بل ما تقوله مجموع الذوات المختلفة من تصورات وافهام. ما تعدِّد به الذوات أنفاسها. ما تكاثر به تدويناتها. الذات المدوِّنة تتصرف في العالم من حيث غرفتها. من وراء أزرار (كيبوردها). قد لا نبالغ إذا ما قلنا أن الطريق إلى فهم العالم، هو طريق بعدد أنفاس المدونين. بعدد مدوناتهم التي يُحدثون منها أكثر من 12 ألف يومياً. يقع العالم في المسافة الافتراضية، بين مدونة هنا (في البحرين)، ومدونة أخرى في أقصى الطرف الآخر من الكرة الأرضية. يحضر العالم في المسافة بين المدونة والمدونة. بين الكلمة المدوَّنة والكلمة المدوَّنة الأخرى. بين الكائن المدوِّن وبين المدوِّن الآخر، فـ"الكلمات هي الكائنات" كما يقول محمود درويش. وبالكائنات يعرف العالم.

 

دوائر الماء

يصف جهاد الخازن المدونات "بما أن البلوغ عادة ما يكون مرتبطاً بغيره، فإن هناك نوعاً من الانتشار يشبه دوائر الماء بعد إلقاء حجر في وسطه"[4]. يقع العالم بين الدوائر التي تحدثها أحجار (المدونين) التي تخترق سطح ماء (العالم). كلما زاد عدد الأحجار المخترقة للسطح، كلما زادت دوائرها. بقدر ما تتلاقى هذه الدوائر أكثر وتتداخل وتتقاطع. بقدر ما يمكننا أن نفهم وجه العالم أكثر. صورة العالم مشكال[5] من الدوائر المتداخلة التي تحدثها المدونات. عدد لا نهاية له من اللوحات التي تتغير في كل ثانية.

يخترق المدونون سطح الأشياء كما يخترق الحجر سطح الماء. يحركون الماء الساكن والبليد والراكد. يثيرون دوائر لا تحصى من التساؤلات والاشكالات. يخترقون سقف غرفتهم  فيصيرونها حوشاً، يخترقون سطح أحاديتهم فيحيلونه أرضاً كثيرة. يحيلون سطوح سلطاتهم (الدينية، السياسية، الثقافية، المعرفية) أرض تتخرقها الريح. تبعثرها في كل اتجاه، تثير غبارها على ضجيجها، تفتح خوائها على عروشها، تقلبها على عواهنها حتى تثبت الأرض أو تقوم الريح.

 

تحرك المدونات الدوائر المسكوت عنها. تخترق المساحات اللا مفكر فيها. تنشِّط المهمل منها. تستحضر المغيَّب. تتذكر المنسي. يخجلها الاستهلاك السهل للعقل والحجج والمبررات. يخجلها التلقي المسطَّح للأشياء. يخجلها المباح المتاح السهل من القول والفهم. ويثيرها الممتنع العصي المخبوء. "نخبركم أننا من أجلِ كل أهدافنا، سنفعلُ كلَّ ما هوَ مباحٌ بخجلٍ متناهي، وكلَّ ما هو ممنوع بكثيرٍ من الجرأة..!" [6]

هذه الجرأة كلفت المدون الايراني مجتبى سامينياد، قضاء سنتين في السجن. لكن ذلك لم يمنع مدونته من أن تفوز في مسابقة "مراسلون بلا حدود" التي اختيرت كأفضل موقع ويبلوغ في إيران. الجرأة نفسها كلفت كل من الأخوين محمد وهيثم القطيش إضافة إلى يحيى الأوس في سوريا، صدور أحكام بالسجن في حقهم، تتراوح بين سنتين وأربع سنوات، لنشرهم بعض التقارير الناقدة للحكومة إلكترونياً.

 

 

خرق الواحد

المدونة ابنة الشارع. تخرج المدوِّنة من الشارع لتعود إليه. تتسرَّب خارج غرفاته المغلقة. تسير بين دهاليزه المظلمة. تتحدث عن همومه وقضاياه وحوادثه ومشكلاته وحاجاته وآماله. تعلن عن فعله وردود فعله ومواقفه وآراءه، فتصير صحافته.

الشارع بما هو اجتماع إنساني يقوم بفعل التدوين، صار مصدراً للخبر لا وعاء له. تحول الشارع المدوِّن إلى ديوان رقابة إعلامية. صار جهاز رصد وتدقيق وفحص لكل ما يكتب وينشر. صار الاعلام يخشى فضح الشارع المدوِّن؛ بعد أن كان الشارع يخشى فضح الاعلام. "المدونون هم الخارجون فى عالم الانترنت. قدرتهم على تنقية وإفشاء المعلومات لقطاع عريض من المتلقين، وموقعهم خارج نطاق الإعلام السائد من أهم نقاط قوتهم (...) المدونات أجبرت وسائل الإعلام على أن تكون حذرة جداً فيما تغطيه"[7]. في الولايات المتحدة الأمريكية تقوم المدونات بمهاجمة الإعلام التقليدي وكشف ألاعيبه وزيفه. نجحت حملة تبنتها بعض المدونات على برنامج "ستون دقيقة" لشبكة "سي بي أس"، في التعجيل بتقاعد المذيع دان راذر واستقالات أخرى.[8]

 

اخترقت المدونات بتعدد مصادرها سلطة المصدر الواحد، واخترقت بتعدد أصواتها ثقافة الصوت الواحد، واخترقت بتعدد مروياتها وهم الرواية الواحدة، والخبر الواحد والقراءة الواحدة والتحليل الواحد والتعليق الواحد. جعلت المدونات من كل هذه (الأحاديات) محل شك واختبار وفتحتها على تعدد الأقاويل. "أحاول كمدون أن أقدم رواية مواجهة لما هو سائد في الأخبار، فأنا أقدم تغطية للأخبار المهمة محاولاً تقديم مصادر تتعلق بتمكين الناس من الوصول لمعلومات أكثر" [9].

لم تعد الرواية الرسمية تشبع فضول انسان عصر التدوين. لم يعد يحترم عقله من يسلّم برواية مصدرها وحيد، حتى وإن تعددت إصدارات هذا المصدر (صحفه، مطبوعاته، مواقعه). ما جعل المدونات البريطانية تنتشر بدرجة كبيرة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، عندما قامت حالة من عدم اليقين أدت إلى البحث عن مصادر للأخبار خارج الاعلام التقليدي.

 المدوِّن عمل على خرق الرواية الأحادية وتعريتها وفضحها وكشف زيفها وتلاعباتها وأوهامها وخواءاتها. يفتح المدنون غرفهم وغرف ثقافتهم وغرف جماعتهم وغرف مجتمعاتهم وغرف مذاهبهم وغرف أديانهم. ويفضح المدونون غرف أنظمتهم وغرف سلطاتهم وغرف حكوماتهم وغرف حكامهم. إنهم الفاتحون للغرفات، الخارجون على كل ما تغرّف.

 

هوامش

[1]  ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

[2]، [3]، أخلاقيات التدوين، ربيكا بلود

 http://www.tadweenclub.com/forum/showthread.php?p=50

[4] ، [8] صحيفة الحياة، 3-1-2006

[5] المشكالKaleidoscope  أداة بصرية، تحتوي على قطع متحركة من الزجاج الملون، ما إن تتغير أوضاعها، حتى تعكس مجموعة لا نهاية لها من الأشكال الهندسية المتناسقة، المختلفة الألوان.

[6] فوضويات جادة عن التدوين، أحمد الشموتي

 http://ma.poemeversion.com/?page_id=48

[7]، [9] المدونون العرب. المعارضة بصوت جديد

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/E6A0A606-DDE9-49DB-820A-9E0562D9DAF8.htm

(3) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 13 يناير, 2007 02:44 م , من قبل justlittleangel
من البحرين

أثر الفراش الرائع ..
على جنايحيك هملنا ، وكان الهمل في حوش " بروفايل" يزجج ..!

بالنسبة لي أنتظرته كا"نبي" ، وحملتنا متاع رفيع المستوى نحن أقدر على حمله.والرسالة:
أوال.. نحن من سيصون أمانتها لا هم..

الشكر موصول لك غير منتهي،
سامية حسن


اضيف في 21 يناير, 2007 05:02 ص , من قبل hamohd70
من البحرين

ايتها الفراشه ..لقد قلت كل ما اعجز انا عن التعبير عنه لقصور في القدرة على التعبير عندي ..كتبتي كل ما جال في خاطري وانا اقرأ مقالتك..
مقاله جميلة جدا.
شكرا لك.


اضيف في 21 يناير, 2007 09:58 ص , من قبل buterfly06
من البحرين

شكراً hamohd70
المدونون يقول بعضهم ما يجول في خاطر بعضهم الآخر.. وبهذا يتكاملون..
تحياتي لك




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية