غارقة في تشكيلي (الذي يمكن تسميته بالديني، أو العقائدي، أو التنظيمي، أو الجماعي، أو الغلافي) كنت. يعمل هذا التشكيل على توجيه معرفتي، كما يعمل على توجيه خياراتي وقراءاتي ومشاركاتي وحضوراتي المختلفة. يحرضني هذا التشكيل باتجاه محاضرة تلك الليلة. لم أكن أعرف عن أركون شيئاً سوى أنه مهتم بالفكر الإسلامي، يتبنى مشروعاً نقدياً كبيراً، وأن له آراء جريئة تخضع لجدل كبير. ذلك كل ما عرفته عن أركون، ولأكن أكثر صدقاً، ذلك ما عرفته عنه بعد الإعلان عن محاضرته. ولأني لم أكن متصالحة مع الخطاب الديني الرائج (في البحرين خصوصاً)، ذلك الخطاب الذي أعتبره تقليدياً لا يتناسب مع الرؤية التجديدية والعصرية، ولأني أعتقد أن تشكيلي (الديني، أو العقائدي، أو التنظيمي، أو الجماعي، أو الغلافي، أو كلها معاً) يقدم صورة متطورة للفهم الديني، ويحمل أفقاً تجديدياً مغايراً، ولأني أرى إلى تشكيلي أنه يحمل الرؤية التغييرية الأمثل للعالم، فقد كان ذهابي لمحاضرة أركون، لأرى، إن كان في مشروعه ما يمكن أن يعزز هذه الرؤية (رؤية تشكيلي)، أو يقويها أو يدعمها أو يتلاقى معها. لكن هل ستسير الأمور بهذا الاتجاه؟ خيبة أمل لم أكن منفتحة على العلوم الإنسانية والاجتماعية التي ينطلق منها مشروع أركون. خرجت من المحاضرة، وأنا ليس لدي ما ألملم به الأفكار المتشعبة المطروحة تحت ذلك العنوان. شعرت بخيبة أمل (لم أعرف على أي وجه أسقطها). لكن ثمة عبارتين (سأكتشف فيما بعد أنهما تلعبان دوراً هاماً في مؤلفات أركون)، يمكن أن أقول أنهما خلاصة ما خرجت به من تلك المحاضرة. العبارة الأولى هي "الأسيجة الدوغمائية المغلقة"، والثانية هي "ما لا يمكن التفكير فيه". هاتان العبارتان اللتان اصطدمتا في ذهني مباشرة، فور سماعي لهما، ستحدثان، دون أن أقصد، فوضى كبيرة في داخلي المغلق لاحقاً. ما هو هذا السياج الدوغمائي المغلق؟ أو السياج العقائدي المغلق؟ كل أرثوذكسية عقائدية تؤدي إلى تشكيل مثل هذا السياج حول نفسها، حول عقيدتها وأفكارها ويقينياتها ومسلّماتها، وتعمل على حصرها وأتباعها فيه. تلك المنطقة المسوَّرة والمسيجة والمغلقة من كل الجهات. لكن، أليس كل مجتمع عقائدي يحيط نفسه بسياج رمزي؟ أليس كل جماعة عقائدية تصنع سياجها الخاص داخل سياج مجتمعها العام؟ هل أنا أعيش سياجين؟ سياج عام وسياج خاص؟ هل هناك أسيجة أخرى تحاصرني؟ كم من السياجات تفصلني عن العالم؟ السياج عزل وقطع. مساحة مغلقة يقلقها الاتصال. الاتصال، يعني السماح بدخول اللا مفكر فيه. سؤال السياج اللا مفكر فيه! تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها هذا المفهوم الذي وظفه أركون استناداً إلى معطيات العلوم الإنسانية والدراسات الفلسفية الحديثة. ما هو المفكر فيه؟ وما هو اللا مفكر فيه؟ وما هو المستحيل التفكير فيه؟ ولماذا لا يمكن التفكير فيما تقرر أن يكون لا مفكراً أو مستحيلاً التفكير فيه؟ وما الذي يقرر حدود المفكر فيه واللا مفكر فيه؟ لماذا تختلف مساحة اللا مفكر فيه من ثقافة لأخرى، ومن دين لآخر، ومن تراث لآخر، ومن جماعة لأخرى، ومن سياج لآخر؟ ما مساحة اللا مفكر فيه في تشكيلي الخاص؟ بدأ السؤال يداخل ذاتي للمرة الأولى.. ذاتي التي ذهبت بنية قضّ سياجات الآخرين (المختلفين مع سياجي)، خرجت تتعثر بسؤالاتها. لن أبالغ وأدّعي أن هذه الأسئلة توافدت لدي مرة واحدة هكذا، لكن سأزعم أنها بدأت تشاغبني بين الحين والآخر، وسأزعم أن سياجي بدأ يتهيبها ويحاول تحاشيها. في الحقيقة لم أكن أرغب بقضّ سياجي. يتعلق المفكر به بما يسمح به الفكر والتصوُّرات والعقائد والنظم الخاصة بالجماعة التي ينتمي إليها أو يخاطبها المتكلم، وبالفترة التاريخية من فترات تطوُّر تلك الجماعة. ثم إنه يتعلَّق كذلك بما تسمح به السلطة القائمة في المجتمع أو الأمة اللذين يتضامن معها المتكلم. أما ما لا يمكن التفكير فيه فيعود إلى ما تمنعه السلطة السياسية أو الرأي العام، إذا ما أجمع على عقائد وقيم قدَّسها وجعلها أساساً مُؤسِّساً لكينونته ومصيره وأصالته.[1] فراشة أركون أركون الذي ضرب بجناح فراشته هنا، ورحل سريعاً (25-28 فبراير)، ترك آثاراً أشبه بإعصار رمزي، بين مجموعة من المثقفين المتحمسين لفكره، والمناهضين له من الدينين. لم يكن يعنيني من هذا الخلاف شيئاً، سوى أن فضولاً معرفياً، بدأ يتحرك عندي، ربما للمرة الأولى، أن أقرأ لأركون. أن أقرأ اختلافه. ثمة ما يدفعني الآن أن أقرأ شيئاً يختلف عما اعتدته من كتب تصب في يقينياتي ومسلماتي وتؤكد قناعاتي. كتب لا تتجاوز مساحة المفكر فيه عندي. قراءة المختلف (وليس الاختلاف معه) هي واحدة من المساحات اللا مفكر فيها عندي، أو بعبارة أصح، عند سياجي. في معرض الكتاب الذي جاء قريباً بعد هذه الزيارة، كنت من الذين قصدوا دار الساقي، لشراء كتب أركون بالذات. بميزانية مادية ثقيلة لم يُراعى فيها أي تخفيض؛ قمت بشراء عدداً من كتب أركون؛ الفكر الاسلامي نقد واجتهاد، نزعة الأنسنة في الفكر العربي، العلمنة والدين، قضايا في نقد العقل الديني، معارك من أجل الأنسنة. معها اشتريت كتاب الثابت والمتحول لأدونيس (4 أجزاء). وسلسلة كتب علي حرب الناقدة للمثقف والنص والحقيقة ووو. اشتريت هذه كلها دفعة واحدة. كنت أعيش لهفة الإختلاف. مستحيل الهامش بدأت أقرأ. أقفز من كتاب إلى كتاب. أكمل كتاباً، أو أقرأ جزءاً من كتاب. هنا، بدأت مستحيلاتي تتصادم. أضع خطاً عند كل عبارة تصدمني. في المساحة الجانبية للهامش، أكتب تعليقي الغاضب. أحارب (في الهامش) كل ما أشم فيه ملامسةً مقصودة أو غير مقصودة ليقيني. أجادل كل ما يقترب من مسّ سياجي الذي يمكن تصنيفه بـ (الديني، أو العقائدي، أو التنظيمي، أو الجماعي، أو الغلافي). ها هو الاختلاف يصطدم بمستحيلاتي. ها أنا أكتشف أن مساحاتي اللا مفكر فيها، أكثر بكثير من تلك المفكر فيها. ها أنا أقع على سياج ذاتي الأكبر، ومن ثم الأسيجة الأخرى. ها أنا أرى اللامفكر فيه (من الموضوعات والقضايا والإشكالات والمساءلات والأفكار والقراءات) سياجاً ذهنياً يمنعني أن أفتح أفق معرفتي، أن أغنيها، أن أنعشها، أن أعيد قراءتها، أن أفتحها على السؤال الرصين، أن أعيد طرق ممنوعاتها، أضيفها إلى غيرها، أن أوسعها وأتسع بها. ها أنا أرى اللغة (كما أعرفها واستخدمها) لا تفتحني على العالم، بل تغلقني داخل سياجي. اللغة وفق سلطة السياج، ليست اكتشافاً حراً للواقع، ليست تعدداً في معانيه، ليست تريني شيئاً وشيء آخر في الوقت نفسه، ليست ثراء يريني نفسي في هيئة آخر، ليست تفتح لي ألف ضوء وضوء به أرى، بل هي (اللغة) سياج آخر. سياج يتحكم في معرفتي وفهمي ونظرتي للعالم والإنسان، سياج يحدّ مفاهيمي ويضيق عليها ويخنقها في المعنى الواحد والفكر الواحد والحقيقة الواحدة. لغة يقينية جامدة لا طلاقة فيها. اللغة أداة الفكر. ومتى ما كانت اللغة محكومة بسياج، فإن الفكر يكون أسيراً للسياج ذاته. ها هو الاختلاف يقضّ سلطة سياجي. فيفتح اللغة على اللغة، والمعنى على المعنى، والمفكر فيه على اللا مفكر فيه، واللا مفكر فيه على المستحيل التفكير فيه. وها هي الذات تعيد قراءة ذاتها من جديد. الآن وبعد 5 سنوات، لم أقرأ بعد كل تلك الكتب التي قمت بشرائها من معرض الكتاب في 2002، بل تجاوزت بها لكتب كثير غيرها، لكني من كلّها، أحمل في داخلي أفق ما، ذلك الذي حول علاقتي بالأشياء وصالح بين متخاصماتي. [1]محمد أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ص 10.
أضف تعليقا
من البحرين

فاطمة البحرانية..
سين سؤال للسؤال..
كيف يكون فكك لسياجك الدوغمائي، وفتح سؤالك على مساحاتك المسكوت عنها، واللا مفكر فيها، وفتح أفق سياجك (المعرفي والعقائدي والجماعي) على الآخر والمختلف، وفهمك لتشكيلك المجتمعي والديني والعقائدي، وتكوينك التاريخي، وقدرتك على مسائلة هذا التكوين ونقده وتفكيكه وقراءته، وتحويلك علاقتك به، وفي الوقت نفسه، التعايش معه ، كيف يكون كل ذلك سياج بلون مختلف؟ لم أفهم؟
مقدس، متعال، مطلق، فوقي، لا يمكن الوصول له.
تأكيدات؟ ماذا تعنين بتأكيدات؟ هل تعنين أنها مترادفات؟ أي تأثير لليقين والصلح؟ لم أفهم السؤال أيضاً؟
تحياتي
من البحرين

حسناً حسناً حسناً حسناً
أولاً
ذلك المفك اللي راح تستخدميه لتفكيك السياج ممكن يتحول لسياح آخر فالمفكات التي اُستخدمت لتفكيك بعض الأسيجة البشرية تحولت ذاتها لسياج كالعلمانية والليبرالية التي فككت ما قبلها وما قبلها فككك ما قبلها وتحول لسياج هذه الدائرة التي تدور وتدور وتدور فالمفك يتحول لسياج
ثانياً
أما عن كيف سأفتح مساحات اللامفكر
أول شيء راح افكر فيه هو الحذر تم الحذر ثم الحذر من الوقوع في تلك الحفرة والمفك يتحول لسياج
عشان جذيه راح ابقى في الوسط المركز دون الركون لأي ركن دون التصالح مع أي ركن سأحاول البقاء بالقرب من كل الزوايا هذا أقل الضرر في أعتقادي حالياً ..
رابع شيء
يُقال أنه التأكيد في اللغة العربية غير مفيد وبلا فائدة لغوية بس أنا بدأت أعتقد أنه له فائدة نفسية ..
أتمنى اني تمكنت من التوضيح
تحياتي
من البحرين

حسنا حسنا حسنا حسنا
كل مفك لا يخضع للتفكيك يصبح سياجاً آخر..
طالما مفكي غير مقدس وغير متعال وغير فوقي وغير مطلق، فإنه قابل للتفكيك والنقد في أي لحظة، فمم الخوف إذن؟
من البحرين

حسناً
النقد والتفكيك يمنع المفك من أن يتحول لسياج وهذه الحالة لم نشهدها بعد فكل المفكات تحولت لإسيجة بما فيها العلمانية رغم النقد والتفكيك ..
فالمفك يتحول لسياج ليأتي مفك أخر ويفككه حتى ينهيه هذه الدائرة تبدو لي شديدة الشبة بدائرة الحياة والموت الجسدية رغم الأدوية فالإدوية لا تمنع الموت المحتوم فالموت يقع مهما أخرته الأدوية..
فهل من طريق خالد لا تنبت فيه الأعشاب والإشجار حتى تسد الطريق وتمنع النور والماء هل من الممكن الخروج من هذه الدائرة
والتأكيدات الخمسة هي التي دعني للسؤال لأنه الأمر بدا لي كمن يحول المفك لسياج بتأكيداته الخمسة
بعكس المفكر أركون اللي ضمن منهجة عدم الإجابة بصورة كاملة يترك فراغ لا أنطباق لا تصالح تام ..
أنتهى
من البحرين

مراحب أيتها الهامية..
في الحيز الآخرِِ،حيث "اللا مفكر فيه" مفتوح على الأسئلة التي غربلت إعتقادات الأمس والتي مهدت للإعتقادات الغد ..
.. ودفافك يحتاج لفضاء أوسع مع "المختلف"
للولوج في "اللا مفكبر فيه" ..
إهملاجك جميل في تقكيك السياج إلى الإنعتاق ..!
..وللتي هربت بعينها ..
يكفيك " أنت " لا " هي " خصام معي..! فأنا في توق..!
ازاميل
ازاميل
من البحرين

لغة "شفافة" جدا و مقال رائع .
ومن أجل تلك السياجات اجلت انا قرأت موقع الدكتور محمد شحرور
http://www.shahrour.org/
كتب و اراء مختلفة .
من البحرين

فاطمة البحرانية..
مرحباً بمفكك دائماً:)
من البحرين

أوه.. أيتها الأزاميل..
"أنا" و "هي" في توقك أيضاً..إن هي إلا سياجات الوقت.. هذه السياجات التي لا يمكن الانفلات من حكمها إلا بحكمها..
سنهمل معاً قريبا..
من البحرين

مرحباً hamohd70
والأهم من ذلك، هو أن تأتي بك السياجات إلى هنا :)
تحياتي
من البحرين

أليس الزمن هو ما نحتاجه لنرى ما إذا تحول مفكنا إلى سياج؟ إذا مرت السنوات و لم تتغير أفكارنا و لا نظرتنا للأشياء، فربما نكون قد صرنا أسيري غلاف ما حتى و لم نشعر به.
الحرية المطلقة وهم، و لكن أليس الأسر الإختياري هو أسوء من وهم الحرية؟
من البحرين

لا منتمي..
أقرأ الآن رواية فلسفية رائعة اسمها زوربا. يعرف بطلها الحرية بأنها "التخلص من لعنة الانتماء". أسيجة انتماءاتنا تمنعنا من اختراق مسكوتاتنا. ها أنت اخترت أن تكون لا منتمياً.
تحياتي
من البحرين

عزيزتي الفاضلة باسمة،
واقعنا المعاش وضعنا بين خيارين
"اللا مفكر فيه" و "المستحيل التفكير فيه"
لذا هذه القصاصات والحشاشات و"قض السياجات"
ما هي الا محاولات جاهدة للولوج الي "المفكر فيه"
نعم أركون مختلف وأجمل ما في كتاباته
هو المساحة الرحبة في التفكير من كل الزوايابالرغم من هوامش الاختلافات العديدة مع أفقه ومساحاته
شكرا لهذا المقال الرائع
حسن
من البحرين

نعم حسن..
كل مساحة تحضر سؤالاتنا من الخلف إلى الأمام، هي خروج بنا من ضيق سراديبنا الصامتة إلى مساحات كلامنا الأوسع..
باسمة
من البحرين

أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر- الامام علي(ع)
سياج نحن نصنعه في ادمغتناعند قبوله، وفي مجتمعاتنا عند قبول الآخر
من البحرين

مرحباً بالرياش صاحب المدخنة..
ولأننا نحن من نصنع أنسجتنا بأنفسنا. فإننا نحن أيضاً من ينفث دخانه عليها ليحررنا منها..
شكراً لأنك مررت من هنا..
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














من البحرين
سين سؤال
أكثر شيء أثارني وأثار تساؤولاتي هو المقطع الأخير حين تختمين بإنه اركون كان السبب في معاهدة الصلح بين متخاصماتك
(ذلك الذي حول علاقتي بالأشياء وصالح بين متخاصماتي)وسؤالي أليس الصلح الكامل مع الأِشياء والذات هي بداية الدوغما بداية صنع سياج جديد بلون مختلف ربما ..
وهنالك أمر اخر لفت انتباهي جداً في موضوع اخر هي اجابة في موضوع اخر
هذه هي >>>كل ما يرهن بمقدس متعال مطلق فوقي لا يمكن الوصول إليه، تعطيل <<<<
هذا التأكيد الثلاثي أو الرباعي أو الخماسي
1 : مقدس .
2 : متعال .
3 : مطلق .
4 : فوقي .
5 : لا يمكن الوصول له .
العزيزرة باسمة ليش هذا التأكيد الخماسي هل هو من تأثير اليقين والصلح ؟؟
تحياتي