"المرأة لا تشجع على دخول المعترك السياسي، لأن المرأة قارورة، ومن صفات القارورة أنها سريعة الانكسار، فالمحل الصالح والنظيف هو بيتها، فإذا ما خالفت أمر ربها، ودخلت المجالس النيابية والبلدية، فإنها ترتكب عدة محظورات، منها الاختلاط بالرجال وهو من آفات العصر". خطيب جمعة "إن الأولوية تفرض أن تجد المرأة شرف المكانة العالية في مجالات أخرى، كالتخصصات الفقهية، وإن تحقيق الاكتفاء داخل صفوف النساء في التعليم الديني وتخريج المبلغات من المستوى المتقدم والكتابة والبحث هو مطلب نسعى لتحقيقه. هل للمرأة المسلمة في ظروف الحشمة والتعامل الإسلامي مع الرجل، أن تشعر بالنقص والتخلف إذا لم تتقلد منصباً سياسياً؟". فقيه ما سبق هما خطابين دينيين (بحرينيين) صدرا إبان فترة الانتخابات النيابية 2006. سنحاول عبر قراءتهما، أن نقف عند تمثل كل منهما للمرأة، ومن ثم فهم منظور رؤيته لمشاركة المرأة السياسية. سنطلق على الأول اسم خطاب القارورة. والثاني خطاب شرف المكانة العالية. ولأننا هنا نقرأ الخطابات ولا نقرأ الأشخاص، فسنقدم هنا الخطابات فقط، دون أن نستحضر الأسماء. § خطاب القارورة يتمثل الخطاب الأول المرأة باعتبارها قارورة. ومن صفات (القارورة) يفهم صفات المرأة، ومنها يميز بين محلّ المرأة (الصالح والنظيف) من محلها (غير الصالح وغير النظيف)، ومنها يميز بين محظورات المرأة وآفاتها مقابل مباحاتها وصالحها. تستحضر القارورة في أذهاننا الجمال والأناقة والذوق والرقة والنعومة. ما يجعلها واحدة من أهم لمسات الجمال التي لا يستغني عنها أي بيت أو مكان. لكن يعيب القارورة أنها سهلة الانكسار. لذا يجب وضعها في مكان يبرز جمالها، وفي الوقت نفسه يحميها من الانكسار الذي يتهددها. كلما كانت القارورة ثمينة أكثر، كان السعي لحمايتها من الانكسار أكثر. هذا الحرص، دليل على قيمتها الحقيقية عند أصحابها. لذا توضع القارورة في مكان مرفوع معزول عن أيدي العابثين والفضولين والأطفال وو.. باختصار القارورة يجب أن تكون قارّة في مكان (صالح ونظيف) حتى لا تتعرض للكسر. ليس يقدّم (خطاب القارورة) نصاً شرعياً صريحاً. بل يأتي بمنظور. المنظور يبدأ بـ(لا) ناهية (المرأة لا تشجع على دخول المعترك السياسي). الحجة التي يستند إليها الخطاب في (لا)ئه الناهية تلك، هي حجة منطقية، تعتمد على مقدمتين رئيسيتن وتصل إلى نتيجة. المقدمة الأولى: أن المرأة قارورة. المقدمة الثانية: أن القارورة سهلة الانكسار. والنتيجة: إن المرأة سهلة الانكسار. وعليه فالمرأة لا تصلح لدخول المعترك السياسي (القاسي). لكن يتبين لنا بعد أقل من سطر من استخدام حجة القارورة، أن عدم صلاح المرأة لدخول المعترك السياسي ليس ناتجاً عن كونه معتركاً خشناً وقاسياً على المرأة (الرقيقة)، بل إن الكسر يأتي نتيجة "الاختلاط بالرجال". الاختلاط هو ما يعرض قاروة المرأة للكسر لا المعترك السياسي. هذه الأخيرة (الاختلاط بالرجال) هي الأساس الذي يقوم عليها هذا الخطاب، وبها يفهم المحل الصالح والنظيف من خلافه، وبها يشيد مفاهيمه ويعين ما هو مباح أو محظور على المرأة. ولكي يجعل خطابه أكثر قبولاً، فإنه يخاتل بحجة منطقية تجعل المرأة تفتخر بصفاتها التي تشبه صفات القارورة (الجمال، الرقة، النعومة، سهولة الكسر)، وعبر هذه الصفات ترى المرأة إلى نفسها. لكن خلف هذه الصفات القالبية الجميلة، يخفي الخطاب مكونات هذه القارورة وامكاناتها، يخفي خطاب القارورة عقل المرأة وروحها وفكرها وانسانيتها وقدرتها وعلمها وعملها ومهارتها. المرأة وفق هذا الخطاب لا يمكن أن تكون أكثر من قارورة أنوثة يتهدد حياتها الكسر الذي لا يحميها منه غير البيت. بهذا الفهم، يتلقى أتباع هذا الخطاب دخول المرأة المجالس البلدية والنيابية باعتباره كسراً لقارورة المرأة، وباعتباره مخالفة لأمر ربها، وخروجأ عن مكانها الآمن والنظيف، وارتكاباً للمحظورات، ومخالطة للرجال الذي هو من آفات العصر (وفق الخطاب). يلتبس الأمر على أتباع هذا الخطاب، ما إذا كان يقدم منظوراً شخصياً (لا تشجّع على دخول المعترك السياسي)، أم أنه يحمل نصاً شرعياً (إذا ما خالفت أمر ربها، ودخلت المجالس النيابية والبلدية)، وعبر هذا الالتباس تتشكل رؤية الشارع. خطاب القارورة إذن يتحرك في مأزق مكاني. وهو لا يتجاوز الإجابة على سؤال: أين مكان القارورة الصالح والنظيف؟ بأنه البيت. § خطاب شرف المكانة "إن الأولوية تفرض أن تجد المرأة شرف المكانة العالية في مجالات أخرى، كالتخصصات الفقهية، وإن تحقيق الاكتفاء داخل صفوف النساء في التعليم الديني وتخريج المبلغات من المستوى المتقدم والكتابة والبحث هو مطلب نسعى لتحقيقه. هل للمرأة المسلمة في ظروف الحشمة والتعامل الإسلامي مع الرجل، أن تشعر بالنقص والتخلف إذا لم تتقلد منصباً سياسياً؟". هكذا يقول الخطاب الثاني. أو ما سأسميه خطاب شرف المكانة. هذا الخطاب ليس يتمثل المرأة قارورة سهلة الكسر كما في النموذج السابق، (ربما لأنه قد تجاوزها، أو ربما لأنه لم يعد مقبولاً عند متلقيه الذين تجاوزوها). لكن يبقى هذا الخطاب يدور ضمن دائرة الخطاب الأول. أعني دائرة المكان. يحضر مأزق المكان في أي مكان تحضر فيه المرأة. حيثما تحضر المرأة يسبقها (إشكال شرعي) بالحضور؛ بحضور المرأة فقط يصير المكان الصالح والنظيف غير صالح ونظيف. بحضورها فقط يصير المكان الشريف والعالي غير عال وغير شريف. بحضورها فقط تصير الحاجة والنقص اكتفاء آخر. بحضورها فقط تصير الأولوية مجال آخر. بحضورها فقط يصير عدم تقلد المنصب السياسي لا نقص فيه ولا تخلف. ترتبك الأمكنة حيثما تواجدت ثمة امرأة. الخطاب الديني لا يزال يعنيه أن يحدد للمرأة (دون الرجل) أي مكان تكون، وأي مكان لا يلزمها أن تكون فيه. والالزام هنا لا يأتي وفق حكم فقهي صريح ، بل عبر (ظروف حشمة وتعامل اسلامي مع الرجل). لا يصرح هذا الخطاب برفضه الاختلاط كما فعل الخطاب الأول، ولا يقرِّر أن مكان المرأة الصالح والنظيف هو بيتها كما فعل خطاب القارورة. وهذا ما يجعل من خطاب (شرف المكانة) أكثر مخاتلة ومواربة من خطاب (القارورة). لا يقول لنا هذا الخطاب أن المرأة لا تصلح (بسبب قارورتها) دخول المعترك السياسي، لكنه يقول لنا أن لها مكاناً آخر (ليس البيت هذه المرة) هو مجالها الذي تجد فيه شرف المكانة العالية. وهو مجال التبليغ والفقه وتحقيق الاكتفاء داخل الصفوف النسائية في التعليم الديني. المرأة مكانها صفوف النساء، والبرلمان صف رجال. خطاب (شرف المكانة) يستحضر المرأة بوصفها فائض سياسي، وأولوية تبليغية، الفائض اكتفاء والأولوية نقص. الفائض هو ما يمكن أن نكتفي (نستغني) عنه، والأولوية هي ما نكتفي به. الأولوية فرض والفائض عدم حاجة. الأولوية هي ما نغادر (الفائض) لنحققها. الفائض هو مجال لا ينقصنا عدمه، الأولوية هي ما ينقصنا تحقيقها. الأولوية فرض، وشرف مكانة عالية، واكتفاء، ومطلب نسعى لتحقيقه. بينما الفائض هو مجال آخر. أولوية الرجل في كل مجال، وأولوية المرأة في مجال دون آخر. الخطابان رغم ظاهر اختلافهما، إلا أنهما يصلان بنا إلى نتيجة عملية واحدة. فعدم تقلّد المرأة لمنصب سياسي في (ظروف الحشمة وتعامل اسلامي مع الرجل)، لا يفرق عملياً عن (فإذا ما خالفت أمر ربها، ودخلت المجالس النيابية والبلدية، فإنها ترتكب عدة محظورات، منها الاختلاط بالرجال). ومكان المرأة (الصالح والنظيف) الذي هو بيتها، لا يفرق عملياً عن (الأولوية تفرض أن تجد المرأة شرف المكانة العالية في مجالات أخرى). لا فرق عملياً، فيما يتعلق بمشاركة المرأة السياسية، بين أن تكون المجالات الأخرى هي البيت أم التخصصات التبليغية. عبر هذه اللغة المواربة يمارس هذا الخطاب ما مارسه الخطاب الأول. ويترك عند متلقيه القبول نفسه والرفض نفسه والأولوية نفسها والفائض نفسه والمحظورات نفسها والمحذورات نفسها . وعبر هذه اللغة لا تغادر المرأة بيتها إلا إلى صف نساء حوزتها، وإلا فلتنكسر القارورة.. § هامش كِسرة.. حين يصبح ممثلو مثل هذه الخطابات، ممثلين برلمانيين. يمكننا أن نفهم أولويات هذا البرلمان وفائض قضاياه. يمكننا أن نفهم، كيف يمكن لصورة مبتورة قيل أنها (سخافة)، أن تربك صفوف رجال البرلمان (الذين يربكهم وجود المرأة)، يمكننا أن نفهم كيف تكون هذ (الصورة) أولوية تفرض نفسها على المعترك السياسي وقضاياه الخشنة والعنيفة والقاسية ووو.
أضف تعليقا
من البحرين

تكملة
المصيبة والكارثة أنه بعض من يدعون التقدمية يطرقون الجدار الخاطىء يطرقون الجذار الفولاذي والنتيجة كانت كما كانت تجاه بعض لقطات ربيع الثقافة بعضها فقط وليس الثقافة كما يريد البعض ان يخلط الحابل بالنابل ويقفز فوق الواقع والحقائق لغطاً ومغالطات
فهنالك قابليات وإمكانيات موجودة حالياً في المجتمع للنهوض بالمرأة فهنالك بعض المناطق أكثر ليونة من غيرها نضجت أولاً من مثل إستعداد المجتمع لإنتخاب إمرأة ولكن للإسف لم تستغل النخب ذلك فالمشكلة لم تكن في المجتمع وقابلية المجتمع المشكلة كانت في النخب القيادية
مشكلتنا يا عزيزتي أننا على ما يبدو لا نعرف الوقت المناسب لإقتطاف الثمار فالبعض يقطف قبل الآوان كما يفعل الحداثويين والبعض الأخر يقطف بعد الآوان كما يفعل الإسلامويين
خلصت التكملة
من البحرين

فاطمة البحرانية..
سواء أكان تعليقك (إهناك) أو (إهنيه) لا فرق ياعزيزتي.. فكل شيء متعلق بكل شيء..
أنا أرى مقتضيات كل من الخطابين واحدة.والاختلاف بينهما بعد اعتباري ليس إلا.
أنا معك في أن الشارع لديه استعداد متقدم على هذه الخطابات، لكنه لا يزال رهنها، وبقوة..
مشكلتنا يا عزيزتي أن المرأة عندنا بحاجة لأن تكون في جرأة مريم أخت لعازر. بحاجة لأن تلقي قارورتها وتكسرها أمام أعين من لا يرون منها غير قاروريتها،لتجعل أنوفهم تشم أن داخل هذه القارورة "عطر خالص ثمين"..
من البحرين

الفاضلة باسمة،
قررت قبل البدء بعدم التعليق حتى الانتهاء من قراءة المقالات التابعة
ولكنني لم استطع إلا أن اجهر بصوتي لتلك البداية الرائعة
إسقاطك في "هامش كسرة" مدخل رائع..
لذا سأترك ما أود إكماله لاحقا
بعد أن أنصهر كاملا في موضوعك
سلمت ..دائما متسيدة للقلم
حسن
من البحرين

حسن أيها الشاعر العزيز دوماً..
في كسرة الهامش عتبات متكسرة، وددت لو أنها تطول بي. لكني أحياناً لفرط تألمي أصمت أو أشير شذراً..
اعتزازي بانصهارك وبجهر صوتك وبحضورك..
باسمة
من البحرين

العزيزة باسمة ،
لا أحتاج لخطاب يعلو من مكانتي وأحصل منه على شرف المكانة ، يكفيني مكانة بأنني " الإنسانة " التي تمتلك القوة والإرادة لكسر هذان الخطابان.
كل ما على المرأة فعله كسر الخطاب " الطالباني" والجهل والتبعية بدون وعي و بكل جرأة.
سلمت بدفافك ،
ازاميل
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












من البحرين
سلام من جديد
في الواقع وبطبيعة الحال كان المفروض تعليقي اللي كتبته إهناك المفروض يكون إهنيه
فلدينا خطابان ورمان بينهم تشابه في النظر للمرأة على إنها عورة وبينهم إختلاف فخطاب الورم الخبيت لايقر على ما يبدو بصلاحية المرأة العقلية, بينما خطاب الورم الحميد يقر على ما يبدو بصلاحية المرأة العقلية وقدرتها على الإنتاج العقلي
في الواقع لدينا فارق مهم أنتج قابليتان مختلفتان " في الواقع أنا لم أجد الجواب الشافي بعد فيمن ينتج الأخر الخطاب اللي ينتج المجتمع أو المجتمع هو الذي يمرر الخطاب "
بس الواقع يقول عزيزتي أنه هنالك قابليتان إحد القابليات وهي الشيعية البحرانية لديها القدرة على إستيعاب ان تكون المرأة ,مرشحة ,ومترشحة , ونائبة, ووزيرة, وكاتبة, ودكتورة وعالمة ,وقاضية , دون إثارة أي ضجيج أو زوابع
كالذي حدث في القابلية الأخرى التي لم تستطع إن تستوعب إمتطاء المرأة لسيارة أو ان تكون مرشحة أو مترشحة إلى بعد ضغوطات ومساوامات كبيرة في الكويت
مشكلتنا في الواقع هي في عقلية الوفاق وعدم إستيعاب قابلية المجتمع الكبيرة فلو تم ترشيح إمرأة في دائرة مضمونة لتم إنتخابها ..
وخلااااص
وتحياتي من جديد