أثر الفراشة
لو أن فراشة هزت جناحها في مكان ما، قد تسبب اعصاراً في مكان آخر من العالم
معلومات المدون:
الإسم : باسمة القصاب
البلد : البحرين
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
لا أدري.. هل أنا فراشـــــــــــة.. أم أنا شيء من أثـــــرها..

:: ربما الضاحية.. ربما خولة.. الروح الصادقة قبل أن تكون غيرها..

تنثر كلماتها لآليء . من يستفيد؟؟
 
 
 

لا أعرف هل أبدأ بالضاحية، لأنتهي بخولة، أم أبدأ بخولة، لأنتهي بالضاحية، أم أبدأ بهما معاً ولا أنتهي. ربما أجمل البدايات ما تفتح على نهايات لا يصنعها القصد، بل يخلقها المعنى المشترك، تلك التي نتركها بين يدي الضوء يقولها كيفما يشاء ويكتبها كيفما يشاء و يرسمها كيفما يشاء. هكذا وجدت العلاقة بين خولة مطر والضاحية الجنوبية، علاقة تغيب فيها البداية ولا تحضرها النهاية. ثمة مسافة (ضوئية غير زمنية) تفتح إحداهما على الأخرى، تمتلئ كل واحدة منهما بالأخرى، تغنيها، تثريها، تكوثر معانيها.

الضاحية حين تستحضرها خولة في حديثها أو كتابتها، تصير ضحضحة أكثر، تصير تضحية أكثر، تصير ضوءاً، رحابة، تعدداً، مقاومة، عصيّاناً على الموت أكثر. وخوله حين تحتضنها الضاحية وتلملمها، تصير مطراً أكثر، تصير إنساناً أكثر، تصير بياضاً، تمرداً، مبدءً، وعداً صادقاً أكثر. كلاهما؛ خولة والضاحية، تضجّان بالمعنى الذي لا يسكت ولا يطرف. فلا نعرف أي منهما استحالت في الأخرى؟

من لم ير خولة من قريب، لا يستطيع أن يعرف كم دفعت هذه المرأة ثمناً لمبادئها التي آمنت بها، كم بقت وفية لها دون مهادنة أو مزايدة أومساومة، كم دفعت ثمن أن تكون ذاتها لا غيرها. ومن لم ير الضاحية من قريب، لا يستطيع أن يعرف كم دفعت الضاحية ثمناً لتبقى ذاتها لا غيرها. في الضاحية ترى خولة وجه بيروت قبل أن تتعرض معالمها للطمس، ترى فيها بيروت قبل عمليات التجميل التي أفقدتها روحها، ترى فيها بيروت قبل أن تكون بيروت غيرها. " المرأة اللبنانية المهووسة بعمليات التجميل تقول: أريد أن أغير نفسي، أريد أصير (شي غير). بعد عمليات التجميل ربما تصير (شي غير) لكنها تفقد روحها الحقيقية. بيروت قبل أن تطالها عمليات التجميل كانت روح  وقلب لبنان الحقيقي. إعادة إعمارها بعد الحرب الأهلية جعلتها أشبه بامرأة أخفت عمليات التجميل ملامحها الحقيقية. أرى بيروت خضعت ليس لإعادة إعمار، بل لطمس معالم. ليست بيروت التي نراها اليوم هي بيروت الأخرى. نرى اليوم بيروت جميلة، أطلقوا عليها إيطاليا الصغيرة. قارنوها بباريس. قاربوها بمنهاتن. لكن لم يقارنها أحد بذاتها قبل أن تكون غيرها. جميع هذه المدن جميلة بروحها  الحقيقية لا بروح غيرها. أفقدوا بيروت روحها. ربما بيروت الآن هي بيروت السياحة والعمران. لكنها ليست هي بيروت الطويلة، ليست بيروت الثقافة والعروبة والوطنية والمقاومة".

أي باريس؟

 تتساءل خولة "أخبروني ماالعبقري في مشروع السوليدير؟ كان السوليدير جزءاً تراثياً لبنانياً أصيلاً. المشروع نزع من المنطقة روحها التراثية البسيطة الأصيلة، وأعطاها شكلاً جميلاً فقط، السوليدير لم يعد غير واجهة سياحة فقدت جوهرها العتيد".

ربما أرادوها باريس العرب. لكن أي باريس يعنون؟ هل يعنون باريس الثورة؟ باريس الحرية؟ باريس الثقافة؟ باريس اللوفر؟ باريس المساواة؟ أم باريس الشانزلزيه؟ " كثير من عرب النفط وتجّاره، لا يعرفون من باريس غير الشانزلزيه، أما وجوهها الأخرى الصانعة للأحداث والتاريخ والإنسان والحرية، فلا يقربونها، هذه الوجوه تخيفهم وترعب ثرائهم الفاحش".  

يأت العمران أحياناً لا ليظُهر، بل ليخفي ويغيَّب. يحيل المدينة وجهاً سياحياً يستقطب سكّان الخارج، لكنه يغاور عن سكَّان البلد وأهله. تمتد العمارات الكبيرة على طول الواجهات الأمامية للمدينة، وتخفي وراءها البيوتات المعدمة والفقيرة، لكن الأصيلة. " تذكرني الضاحية بمدينة المحرق القديمة. محرق الثقافة والنضال والتضحية والرجولة والشهامة والقلب الواحد. الضاحية هي بوابة بيروت الجنوبية ومطار بيروت عندها. قبل أن تنشأ الجسور، كان كل من يصل إلى لبنان يمر بأطراف الضاحية. المحرق أيضاً بوابة البحرين الجوية. وكل من يصل البحرين يمر إليها من خلال المحرق. تم تسوير المحرق ببيوت فخمة وفلل كبيرة. تغطي هذه الواجهات الجميلة عورة البيوتات الفقيرة. حين نمر نرى بنايات كبيرة تحجبنا عن رؤية الحقيقة التي تسكن وراءها. كذلك الضاحية. في السابق كنا نمر على أطرافها فنرى البنايات. لكن هذه البنايات ليست هي الضاحية. لم يفكر أحد أن يذهب ليرى خلف هذه البنايات. هناك في الخلف نجد المدينة الحقيقية. هناك الروح الأصيلة. هناك الإنسان اللبناني بلا خربشات التجميل. هناك وجه بيروت غير المطموس وروحها النابضة بالعزة والكرامة. الضاحية سور بيروت الدفاعي والمقاوم. سورها العصي على الاجتياح والهدم. وحدهم الجنوبيون سوّروا بيروت ليحموها، لا ليخفوا عوراتها".

 

سور بيروت

لعل هذه البنايات حجبت وجه الضاحية عن بيروت. كانت الضاحية تعرف بضاحية بيروت الجنوبية، والآن تسمى الضاحية الجنوبية فقط. هل خجلت بيروت (الجديدة) من ضاحيتها (القديمة)؟ هل يعرف البيروتيون الجدد الضاحية القديمة؟ كيف يرى المثقفون الضاحية؟ كيف يعتقدون عن أهلها وناسها؟  "لا يعرف البيروتيون الضاحية الآن. لا فرق بين المثقف والإنسان البسيط. كأن الضاحية ليست جزءاً من بيروت. في بيروت يتحدثون عن الضاحية وكأنها جسم ليس من أبدانهم. جزء مستقطع غريب. للضاحية في أذهان حتى المثقفين، صورة مسبقة مرسومة: منطقة مغلقة لا يوجد بها غير المساجد والحسينيات، ليس فيها شيء من معالم الحياة، الناس فيها طبقة فقيرة غير متعلمة، لا يسمح للمرأة أن تسير بلا حجاب، منطقة قذرة وغير صحية، إنها مكان للشيعة فقط". هكذا يرى معظم البيروتيون الضاحية، أو هكذا يروون عنها دون أن تراها أعينهم، دون أن يخالطوا أهلها، دون أن يعبروا خلف بناياتها، دون أن يقصدوا سورها الذي طالما بقى يحمي خطوط تماسهم مع اسرائيل.

خولة التي دخلت الضاحية قبل حرب 2006،  واثناءها،  وبعدها، رأت غير ذلك " في كل مدن العالم التي تتفاخر بمدنيتها، لم أر الصورة التي شهدتها هنا في الضاحية. امرأتان، إحداهما ترتدي الجلباب الطويل الواسع والحجاب الذي يغطي حتى أسفل ذقنها، والأخرى ترتدي السروال الجينز الضيق والقميص الضاغط (البودي) الذي يظهر أكثر مما يخفي. تسيران معاً يداً بيد في مشهد ودّي يُرى ولا يوصف، وقفت أراقبهن بإعجاب وخلفهن كنت أشهد الدمار. في الضاحية فقط شهدت التعايش التعددي والتلاحم المتعالي فوق الدين والمذهب، لم أشهد ذلك في أي مكان آخر. أسير بلا حجاب فلا أجد عيناً تترصد لي ولا نظرة تحدّق بي. ليست الضاحية لوناً واحداً ولا حجاباً واحداً ولا زياً واحداً. ليست الضاحية ثكنة عسكرية ولا مستودع صواريخ وقنابل. ليس كل الضاحية شيعة فقراء غير متعلمون. في الضاحية مسيح ومسلمون سنة، في الضاحية متعلمون وأثرياء. هناك أثرياء الجنوب. هناك أثرياء بعلبك. هناك من أصروا أن يعيشوا ثراءهم داخل الضاحية لا خارجها".

 

بضعة مسافة

يؤخذ على الضاحية أن لا مسارح بها ولا دور للسينما. رغم أن الحركة الثقافية ناشطة فيها. في الضاحية كانت تقع العديد مطابع الكتب ومخازن الورق قبل أن تدمرها آلة الحرب. "كانت الضاحية بمطابعها الكثيرة تطبع إلى كل لبنان". اختارت خولة أن تجعل حفل توقيع كتابها "يوميات بيروت المحاصرة" في الضاحية، في مجمع الشهداء. عندما أخذت خولة تدعو المثقفين لحضور حفل توقيع كتابها، كانوا يسألونها: وهل تعرفين أنت أين يقع مجمع الشهداء؟. خولة الصحافية البحرينية، كانت تصف للمثقفين اللبنانيين بضعة هي من أرضهم، لكنها (الضاحية) ليست بضعتهم. بينهم وبينها مسافة كبيرة. ليست المسافة كيلومترات مربعة ليتجاوزوها، ليست مربعاً أمنياً ليهدموه ويسووه أرضا، ليست ديناً أو عقيدة أو حزباً أو فكراً، المسافة فهم أو سوء فهم. المسافة صورة مسبّقة في الذهن. المسافة مخيالنا عن آخر لا نعرفه. وحين ينشط المخيال تشتّ المسافات ويضيق حيز الفهم. تعتقد خولة أن الضاحية حاولت هدم المسافة بينها وبين (بيروت الأخرى)، بينها وبين (لبنان الأخرى)، لكن أحداً لم يحاول فهمها. حاول أهل الضاحية فتح الضاحية على بيروت الأخرى. لكن بيروت الأخرى لم تستجب. أو ربما مخيالها هو ما يجعلها تتمنع. "أكثر من مرة حاول أهل الضاحية فتح الضاحية على المناطق الأخرى. في معارض الكتب التي يقيمونها، تصل الضاحية بإعلاناتها إلى كل مكان في بيروت، لكن بيروت الأخرى لا تصل الضاحية. في معرض الكتاب الأخير بالضاحية كنت أرى روحاً ينذر أن أجد مثلها في مكان آخر، يدخل المعرض كل المختلفين (في اللبس والفكر والعقيدة)، لكن يتفق جميعهم على ضرورة أن يكون هناك إجماع على الثقافة. ربما شهد معرض الكتاب الأخير توجهاً سياسياً مقروناً بتداعيات الحرب والحدث، كان ابن السيد حسن نصر الله يحتفل بتوقيع ديوانه الشعري، هناك كانت الطوابير تكتظّ بشكل لا يمكن تخيله في انتظار التوقيع، كأنها عبر اكتظاظها تعبّر عن التحامها بالسيد نفسه. كأنها تفجر دواوين حبها لمن حمل كرامتها همّه ووعدها صدقه".

 

كلنا بنحب الحياة

في كتابها " يوميات بيروت المحاصرة"، حرب 2006 التي عاشتها خولة لترويها، لا تفتأ تتحدث عن حب الحياة عند اللبناني حين يكون أقوى من آلة الموت. "وحدهم اللبنانيون يجيدون فن محاربة الموت بالمضي قدماً في الحياة. يعتاد اللبنانيون القصف ويقيسونه بدرجات خاصة بهم، فإذا كان شديداً توقفوا عن الحركة، أما إذا كان خفيفاً فالحياة تستمر بمحاذاة الموت". حين رفعت قوى 14 آذار شعارها: "نحن نحب الحياة". أجابتها قوى المعارضة بشعارات هي ذاتها الشعار الأول، لكنها غيرها: "نحن نحب الحياة بكرامة". "نحن نحب الحياة بكل تنوعاتها". "نحن نحب الحياة بكل ألوانها". يجتمع اللبنانيون في حبهم للحياة باختلاف ألوانهم وطوائفهم وأحزابهم، فقراءهم وأغنياءهم. لكنهم ربما يختلفون في تفاصيل هذا الحب. في ضروريات الحياة ومقتضياتها. فحب الحياة عند تلك المرأة التي تقول عن حرب 2006 أنها أفسدت عليها موسم (البروزانج) عند الشاطئ الصيفي، ليست تشبه حب الحياة عند امرأة  الضاحية التي أفسدت الحرب عليها موسم عودة أبنائها في الصيف بعد طول غياب. كلاهما تحبان الحياة رغم اختلاف تفاصيل حياة كل منهما عن الأخرى. ربما خلق سكان الضاحية لأنفسهم ضرورات حياة مختلفة عن باقي البيروتيين. فما أن توقف القصف الإسرائيلي، حتى ازدحمت الضاحية بسيارات العائدين. إنها العودة للحياة. تقول خولة في يومياتها المحاصرة  "عاد سكان الضاحية والجنوب اللبناني وابتسامات تعلو شفاههم، ها هم يعودون ليعيشوا فوق حطام بيوتهم، وشيئاً فشيئاً يعيدون بناءه، من يملك أي شك في ذلك لم يشهد الضاحية وطرق الجنوب اللبناني صباح هذا اليوم أي الاثنين 14 آب/ اغسطس، على الرغم من أن إطلاق النار يبدو شديد الهشاشة. عند منتصف اليوم استعادت الضاحية أياماً كانت لها. هناك شاب بدأ في كنس الركام والحجارة من أمام دكانه أو ما تبقى منها. لا دموع سوى تلك المرتبطة بفرح العودة" ص186

 

حروب خولة

هكذا تروي خولة سيرة الحياة كما عايشتها. كأنها اختلطت بحياتها. لم تكن خولة حين غادرت البحرين إلى بيروت قبل اشتعال الحرب بأقل من أسبوع، ذاهبة إلا من أجل الحياة، من أجل علاج طبي. داهمت الحرب بيروت. فاشتعلت خولة. كبر هم بيروت على همها. صغرت ضرورتها. تلاشت في ضرورة بيروت الأكبر. ألم تحب خولة حياتها كما هم اللبنانيون؟ " لم أكن أفكر بعقلي، تركت لقلبي أن يقودني. وثقت به فكان يدلني ويرشدني. يتقلب قلبي في كل جهة. وكل جهاته كانت جنوب".

تبدأ خولة بكتابة عمود يومي "يوميات بيروت المحاصرة"، ينشر في صحيفة الوقت يومياً. وإلى جانب ذلك كانت خولة ملتزمة بكتابة  3 أعمدة أسبوعية أخرى. السؤال الأول الذي يراودها ما إن تفتح عينيها صباحاً هو: أين سأذهب اليوم؟. تغادر خولة شقتها الساعة السابعة صباحاً وتعود مثلها مساء. تجوب مع الوفود الإعلامية شوارع بيروت ومدارسها ومخيماتها ومستشفياتها. من عيتا الشعب إلى مرجعيون إلى مارون الراس إلى الضاحية الجنوبية إلى كل شبر يقصده القصف. تعود منهكة مساء تغالب الموت بالحياة والدمع بالقهر والهم بالكتابة، وتنسى المرض.  تختلي مع الحاسوب لكتابة المقال. ترسله إلى الصحيفة لينشر صباح اليوم التالي.

ليست حرب لبنان 2006 هي الأولى التي عايشتها خولة. كانت الحرب الأهلية اللبنانية هي أولى الحروب التي عاشت وسط نيرانها عام 1982. حينها كانت خريجة إعلامية في العشرينات من عمرها. تعمل في صحيفة أخبار الخليج. لم تكن الصحافة العربية يومها قد بدأت بإرسال موفديها ليتابعوا أخبار الحرب كما هو الآن. خولة خريجة إعلام إحدى الجامعات الأمريكية. كانت تعيش غلياناً. تتحدث مع رئيس تحرير أخبار الخليج أحمد كمال، فيرفض خوفاً عليها. تحجز في رحلة تغادر إلى قبرص، وتمر عبر لبنان. تضع نفسها أمام الحرب الواقعة، لا الأمر الواقع.  "أخبرت عائلتي أني سأسافر إلى قبرص. تحدثت مع أحمد كمال قبل السفر. أخبرته بقراري. قال لي مندهشاً: هل أنت مجنونة؟. قلت له: ليس لهذا أخبرتك. لدي سؤال واحد فقط، هل ستنشرون لي أم أرتب مع جهة أخرى للنشر. قال: سننشر لك فقط اهتمي بنفسك. لم أخبر أحداً غير أختي وصديقتي عائشة مطر. كانتا الوحيدتان اللتان تتصلان بي لتطمئنا علي".

 

صبية تتنطط

زوج خولة هو وليد حمدان (لبناني الجنسية)، يعمل في منصب عالٍ بمنظمة العمل الدولية. في حرب 2006 يشتعل حمدان على خولة همّاً. "أنت مو معقولة. ارحمي نفسك قليلاً. هل تظنين نفسك لا تزالين تلك الصبية العشرينية التي كانت تتنطط في الحروب. لم تعودي تحتملي كل هذا المجهود. انظري إلى المراسلين والصحافيين العرب، كلهم شباب صغار، بإمكانك أن تراقبي وتكتبي من حيث مكانك".

هكذا  كان يقول لها الراحل جوزيف سماحة رئيس تحرير جريدة الأخبار أيضاً " ليش إنت مجبورة تروحي عالضاحية؟ خذيها من الوكالات واكتبي عمودك. معو حق زوجك".

تجيب خولة " أنا لا أكتب الأخبار، ولا يدفعني عمل الصحافة، ولا أطمع في تحصيل نجومية أعتليها من الحرب كما بعض الاعلاميين الجدد. لست أفتعل بطولة صحافية أشبه بالأفلام الهوليودية. لست أقف متقافزة هنا وهناك لأري المشاهدين أني أقف تماماً خلف قذائف القصف. أنا يدفعني هاجس الإنسان، أشعر أن لي دور إنساني ضئيل أستطيع أن أؤديه، وسأفعل ما دمت أقدر".

 

رصاصة القناص

اختارت خولة السكن في عمارة شقق قريبة من الضاحية في منطقة سوديكو. كانت  منطقة خطوط تماس في الحرب الأهلية. في هذه المنطقة كان يقف قناص يقتل كل حركة تعبر من هناك. "عندما عدت، رأيت بناية أقيمت في نفس هذا المكان. عرفت أن رصاصة القناص لم تقتل الحياة في هذا المكان. رأيت حب الحياة يتحدى الموت. فأحببت السكن هناك. أحببت السكن في هذه البناية التي تحدت رصاصة القناص". حيث شقة خولة، كان منظر الموت يبيد الضاحية على نحو تدميري. كان مشهداً قريباً جداً. كان ضوءاً كثيراً جداً. ليس في هذا الضوء رؤية وحياة، بل عماء وموت. " لم تكن سوى آلة دمار. لا يمكن لحرب عادية، أن تمعن في التدمير حتى ما بعد بعد الموت، كما كانت تفعل آلة الموت الإسرائيلية".

خولة ووليد موظفان في منظمة العفو الدولية. تقرر المنظمة مغادرة موظفيها لبيروت حماية لهم. تبقي على طاقم صغير لعمليات الإغاثة. خولة ووليد يطلبان البقاء ضمن الطاقم. ترفض المنظمة، وتصر عليهما بمغادرة المكان حفاظاً على حياتهما.

يطلب وليد من خولة أن تقوم بتجهيز شنطة أغراضها ترقباً لأي طارئ غير متوقع "فقط لنجعل (شنتاياتنا) ناحية الباب، فإذا ما داهمنا الخطر رحلنا". تبقى شنطة وليد واقفة عند الباب لوحدها. يسأل خولة: أين شنتايتك؟ تجيب: هناك في الخزانة. يلح عليها: أحضريها هنا. تجيب: نعم نعم سأفعل. تمر الأيام. يزداد وليد إلحاحاً. تقف خولة معلنة عن موقفها بصراحة: أنا بيتي لن أتركه. بيروت لن أتركها. ولتعمل المنظمة ما تريد. لم أر منظمة تنصب نفسها مسؤولة عن حماية الإنسان والدفاع عن حقوقه، ثم تعتقد أن حياة موظفيها أهم من حياة الناس. عن نفسي لن أغادر، وليكن ما يكون"

تبقى خولة طوال فترة الحرب. تنسى أنها ذهبت لتتعالج. تبقى تعالج الآخرين بالكلمة، هناك لم يكن ثمة وقت عند خولة للمرض، أو التعب، هناك إما أن تشارك عشاق الشهادة عشقهم، أو أن تشاركهم حب الحياة على طريقتهم الخاصة.

      

* الصورة من مدونة مارون الراس

(16) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 03 يونيو, 2007 12:30 ص , من قبل فاطمة البحرانية
من البحرين


هذا النص بطعم باسمة القصاب فدائماً نص باسمة لا يشبه إلا باسمة

المهم أكثر شيء قهرني في حرب تموز هو تدمير دور النشر والطبع في الضاحية كان الأمر في آخر الأيام وكأنهم نسوا شيئاً فرجعوا وقصفوه كانت دور النشر من آخر المباني اللي قصفوها

وأنتبهت أني لن اتمكن من أكمال مجموعة علي شريعتي اللي تُطبع في لبنان إلا بعد عدة سنين

هذا المنظر البشع يشبه منظر بشع آخر حصل في العراق عند نهاية الحرب وعندما قام العراقيين وليس غيرهم بتدمير وسرقة واحد من اهم متاحف التاريخ المتحف العراقي أتذكر اني عند المشهدين غيرت القناة وتمنيت أني لم أرى ما رأيت وأني ربما في كابوس بس الواقع أقوى من الخيال


والخيال بإمكانه بالإراده أن يتحول لواقع والست خولة تُساهم بكتابها بتحويل الخيال لواقع فبعد ان كان واقع اصبح خيال بس بالإرادة نصنع من الخيال واقع

ومع السلامة


اضيف في 03 يونيو, 2007 08:58 ص , من قبل buterfly06
من البحرين

العزيزة البحرانية فاطمة..

كل نص لا يشبه صاحبه لا يعول عليه..

في الضاحية روح صادقة قادرة على تحويل الخيال إلى واقع..الوعد الصادق وحده يحمل إرادة التغيير والتحويل وإعادة الاعمار والبناء.. هو ما يجعل الدم حياة والحطام بناء والورق المبثوث كتاباً مطبوعاً..
لك تحياتي دوماً
باسمة


اضيف في 09 يونيو, 2007 12:23 ص , من قبل layal
من البحرين

ما اشبه خوله بغاده السمان
الروح النسائيه المتقده بحس المغامره


اضيف في 09 يونيو, 2007 02:26 ص , من قبل aouab1
من المغرب

الله... أكتشفت لؤلؤة ثمينة على شواطيء بحر (جيران)...
أكتشفت منبعا عدبا زلالا..
اكتشفت روحا صادقة..ضاحية تتجمع بها أجمل الحروف الدسمة و المعاني الرقيقة ..
مدنتك يا صاحبتي رائعة و قلمك شفاف..
أدعوك ضيفة عزيزة إلى مدونتي البسيطة لأهديك يا باسمة كأس شاي مغربي و كسرة من خبزي المالح بعرق جبيني:
إقرإي /رائحة الخبز 1/2/3/4/
أعود إليك من خلال نصوص أخرى
مع خالص مودتي
ـ ع أواب


اضيف في 10 يونيو, 2007 01:14 م , من قبل رباب أحمد
من البحرين

مرحباً،

كثّر الحديث هذه الأيام عن خوله، لكني للأسف لا أعرف عنها إلا النزر اليسير، فوسائل إعلامنا لا تسلط الأضواء إلا حول من ينكس الرايات لها!

وكلما كثّر الحديث عنها، أزداد فضولي للتعرف عليها عن قرب.

buterfly06
سعدنا بالمرور بمدونتكِ.
تحياتي :)


اضيف في 10 يونيو, 2007 04:57 م , من قبل مارون

خولة مطر، إسم عذب على اللسان، يحمل طعم الشياء الجميلة التي لن نعيشها ابدا، غلا حينما نجالس خولة.
تحياتي لباسمة.


اضيف في 12 يونيو, 2007 03:02 م , من قبل justlittleangel
من البحرين

العزيزة باسمة ،
كانت بيروت جهة الحياة النهارية ،
وكانت الضاحية جهة الحياة الليلية، لكن بعد الحرب كل ما أسميه "موت الأمكنة" صارت بيروت تتجول نهاراَ في الضاحية وصارت الضاحية تتجول ليلاَ في بيروت وبالأخص وسطها ..!

خلال حرب تموز كان التعري واضحاَ في العربي القومي الجديد ذي الكوبونات النفطية والليبرالي الجديد الذي كان كان مهووس بحب الحياة ولو على بارجة أمريكية ، لكن ثمة إنسان يريد أن يحيا في مجتمع الإنسان ..إنسان.. هذا الإنسان كانت " خولة " كما" الضاحية ".
بيروت تسكننا نحن ، حين نبحث عن الحياة بين خربشات مثقفيها وكتبها ،ونحن من نبحث عن الحياة ونسورها بكرامة وعزة الضاحية بلا خيانة ولا بزيت شمس عند شاطيء رملي بلا حرية ..!

دمت انت كما خولة ،
ودامت بيروت كما الضاحية ..

ازاميل


اضيف في 14 يونيو, 2007 04:33 م , من قبل buterfly06
من البحرين

العزيزة ليال..
كثيفة هي عبارتك المقتضبة.. هن نساء يجعلننا نشعر أن أروحنا لا تزال بخير..
دمت..
باسمة


اضيف في 14 يونيو, 2007 04:35 م , من قبل buterfly06
من البحرين

العزيز أواب..
مرحباً بك وبخبزك المملح بعرق جبينك..
رائحته أخذتني من هنا إلى مدونتك سيراً على الأقدام..
دمت ودام خبزك طازجاً ساخناً..
باسمة


اضيف في 14 يونيو, 2007 04:39 م , من قبل buterfly06
من البحرين

مرحباًَ رباب أحمد..
أسعدتني طلتك التي أتمنى لها أن تتكرر..
ضوء خولة يجعل الأضواء الأخرى تبدو مطفية، لذلك تخشاها الأضواء..
لو عرفتها لأمسكت بضوءها في يديك، ولما تركتيه يتلاشى..
تحياتي لك
باسمة


اضيف في 14 يونيو, 2007 04:43 م , من قبل buterfly06
من البحرين

مارون..
جلست ذلك اليوم قريبة من خولة، فكان ضوئها يعشيني ويشي بي ويتواصل معي، فكنت أزهو..
باسمة


اضيف في 14 يونيو, 2007 04:55 م , من قبل buterfly06
من البحرين

سموي..
أجمل ما في خولة أنها إنســـــــــــان..
وإنسانيتها تلك، هي ما يجعل منها ضاحية لا تخبو ضحضحتها..
دمت ضحى جميلاً..
باسمة


اضيف في 14 يونيو, 2007 04:56 م , من قبل buterfly06
من البحرين

مرحباًَ رباب أحمد..
أسعدتني طلتك التي أتمنى لها أن تتكرر..
ضوء خولة يجعل الأضواء الأخرى تبدو مطفية، لذلك تخشاها الأضواء..
لو عرفتها لأمسكت بضوئها في يديك، ولما تركته يتلاشى..
تحياتي لك
باسمة


اضيف في 22 يونيو, 2007 02:33 م , من قبل shahrazad30

هل لهذا الاكتشاف المتأخر لطعم التوت الناضح من احرفك اي اعتذار ...

اعلم ان كل الاعتذرات لاتنجي الحروف من السقوط ضحايا لحضورك الساطع على كل اللغات

ولكن اعدك بتكرار الانسكاب المائع بين نقاطك وفواصلك

ابقاك الله دائما هكذا مصدرا للابهار العصي

شهرزاد


اضيف في 07 يوليو, 2007 12:18 م , من قبل hasaleem
من تركيا

وتبقى الضاحية منارة الفكر والأدب في قلب الوطن ... راية خفاقة عند مشارف بيروت...

في الضاحية الكثير من دور النشر الكبيرة والتي طبعت ونشرت فيها ما يربو على الماية كتاب من كتبي الأدبية والفنية والتربوية...
في الضاحية العديد من المدارس المشهورة رسميا وخاصة ةالتي خرجت الكثير من الأدباء والمفكرين... نصف الكتاب والمثقفين من الضاحية... يعني نصف الوطن...

الضاحية رغم فقر أهاليها المادي إلا أتهم أغنياء فكريا وثقافيا ومخلصون للوطن والعروبة...
ما كتبته فاطمة البحرينية هو الحقيقة بعينها كونها عاشت الحقيقة في الضاحية فتحياتي لفاطمة البحرينية ولزوجها اللبناني ...
ما قدمته باسمة القصاب هو النور الساطع في ظلمة ليالي المنقبين عن الحقيقة ... فشكرا لباسمة القصاب...

ولنا لقاء ... مع تحياتي...

حسين أحمد سليم آل الحاج يونس
أديب , شاعر وفنان تشكيلي
مقيم صامد في الضاحية الجنوبية
مدينة العلم والثقافة والأدب


اضيف في 08 يوليو, 2007 04:01 م , من قبل jihadf
من لبنان

حقيقة ، تمكنت السيدة خولة من وصف الواقع كما هو دون اي تغيير ، على اننا في الضاحية الجنوبية ، لا نعيش فكرة ان بيروت غير منفتحة علينا ، فهذا لا يزعجنا البتة.
وتنويه ، للجارة المدونة ، على امانتها في النقل ، وربطها بين الأفكار المختلفة .
نهاية ، شكرا لحسن العلوي ، الذي ارشدني لهذه المدونة.
مع فائق التقدير




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية