"البداية صعبة، تغيب عنا البدايات لكنا نرى آثارها ونعيش نهاياتها. لم أعرف ما النعال حتى كبرت، كما لم يعرف البحريني ما السلاح حتى أتت به القوة. أمشي حافياً من جد الحاج إلى الدير، ومن أرضي إلى مقابة، فلا أدوس إلا على (رملة). لم أكن أعرف معنى النعال، كما لم يكن البحريني البسيط يعرف معنى السلاح؛ لم يحمل البحريني سيفاً ولا منجلاً". الحاج عيسى الشوال. يخبرنا الحاج عيسى أحمد الشوَّال من قرية جد الحاج، عن عمره، مستعيناً بذاكرة الأحداث لا التاريخ "ولدت بعد سنة الطبعة". لا يعرف أي سنة كانت الطبعة ولا أية سنة كانت ولادته. قال أهل القرية أنه ولد في عشرينات القرن الماضي، وقال بعضهم قبلها. لم يلبس الحاج عيسى النعال في أرض وصفها صاحب كتاب (عقد اللآل في تاريخ أوال)، بأنها ذات بساتين وأنهار دافقة وأهلها فلاحين [1]. ولم يحمل البحريني البسيط السلاح في أرض يكفيه أن يضع فيها ما يشبه (رأس حمار) حارساً لزراعتها. أو هكذا كان. عرف البحريني النعال حين اشتدت حرارة الأرض وقست رملتها. لبس النعال، لكنه بقى بعيداً عن معرفة السلاح حتى بعد أن داهمت القوة سيحاته (أراضيه ومناطقه) واستملكتها. يعرف الجد الحاجيون القوة، يقولون: "زرايع الآباء استملكتها القوة". تختزل هذه العبارة الذاكرة الجماعية التي يتم تناقلها أباً عن جد. يعرف الآباء القدماء بداية هذه الذاكرة، لكن لا يعرف الأبناء سوى ما يعيشون من آثارها. خلف هذه الذاكرة ثمة مساحة متكتم عليها. ربما الخوف من القوة هو ما جعل عدد من كبار القرية وشيوخها يرفضون الجلوس مع بروفايل للتحدث عن قصة استملاك الأراضي في قرية جد الحاج. الحاج عيسى الشوال قَبَل ذلك، لكنه بدا متحفظاً من استحضار تفاصيل الذاكرة. § تعاقب القوى القوة تنزع إلى الاستيلاء. والضعف يُغري أن يكون مستولياً عليه. هكذا كانت البحرين (التي لا تعرف السلاح) تغري القوى المختلفة للاستيلاء عليها. الشيخ محمد التاجر في (عقد اللآل) يعدد في كتابه أكثر من 28 عنواناً، تحمل جميعها صيغة واحدة: استيلاء الـ(.......) على البحرين. في كل مرة يتغير اسم القوة المستولية، ويبقى إسم البحرين قائماً وفعل الاستيلاء. منذ عهد الفينيقيين تعاقبت قوى مختلفة على تاريخ البحرين، حتى استقرت في يد آل خليفة. تبقى الغلبة للقوة. كذلك الحق؛ فمن يملك القوة يملك الحق (بالضرورة لا بالحق). أو هكذا يجري مبدأ القوة. الكل له من الحق بمقدار ما له من القوة. ويبقى حق (من لا يملك السلاح) خاضعاً لمن يملك القوة. ولأن الانسان البحريني لم يعرف السلاح ولم يحمله، فقد دفع ضريبة سِلمه ومدنيته، أن خضع لمختلف القوى التي تعاقبت عليه منذ الأزل، وأصبح مستملكاً تتناقله القوى المختلفة وتتوارثه ضمن مغانمها. ذلك أن "كل قوة جديدة تتغلب على سابقتها ترث حقها، ومن ثم فإن الحق يتلاشى بتلاشي القوة، ويتلاشى معه الخضوع الذي لا يزيد على كونه فعلاً من أفعال الضرورة، لا من أفعال الإرادة. إنه فعل تمليه ضرورة الحفاظ على الحياة والأمن، ويمليه الطمع في مغنم أو الخوف من مغرم" [2]. لعل ضرورة الحفاظ على الحياة والأمن، لا الخوف من المغرم، ولا الطمع في المغنم، هو ما جعل أكثر من سبعين عالماً وطالباً من طلاب العلوم الدينية من قرية جد الحاج، يركبون البوم ليفروا عبر بحرها نحو مدينة المحمرة الواقعة بين الحدود الايرانية والعراقية. تروي الذاكرة الجمعية غير الموثقة لأهالي قرية جد الحاج، أن الجامع المسمى بجامع الزهراء، كان أشبه بحوزة دينية يجري فيه تعليم العلوم الدينية، وأن القرية كانت مركزاً يستقطب طلاب العلم. ويعتقدون أن الهجرة الجماعية إلى المحمرة كانت إثر هجمات ليلية متتالية تعرض لها الجامع والقرية من قبل بعض القبائل العربية. لا يملك هؤلاء العلماء سلاح يردون به على الهجمات أو يواجهونها. ليسوا يملكون غير قوة العلم، والعلم سلاح لزمن آخر. يبيت في هذا الجامع بعض العلماء وطلاب العلم فتداهمهم الهجمات. خافوا على أنفسهم وأهلهم وعيالهم فهاجروا، وخلفوا وراءهم أراض وبيوت. لكن لا وثائق. § استملاك الأثر في 1997 يأتي متنفذ قوي من خارج القرية، يحمل وثيقة: الجامع من آثار والدي، هكذا يقول. لكن الجامع عمره أكثر من ثلاثمائة عام، وتاريخ عائلتك في البحرين متأخر عن ذلك التاريخ، هكذا يجيبه أهل القرية. يحتكم الطرفان للقضاء. القرية والمتنفذ. يصدر الحكم لصالح المتنفذ. يهُدم المسجد. وتسوى أساساته بالأرض. يمكنك الآن أن ترى سوراً شبكياً صغيراً يحيط بأرض زراعية بني فوقها مسجد صغير، ولا أثر للجامع الذي كان تاريخاً، وكان سلاحاً لزمن آخر. لا تفتأ الذاكرة الجمعية في قرية جد الحاج تتناقل كيف استملكت القوة بساتين جد الحاج ومزارعها ودواليها ونخلها. وكيف حفظ أهل القرية القدماء، الأراضي التي لا يعرفون أصحابها، أو تلك التي تركها أصحابها فراراً، بأن وهبوها وقفاً للإمام الحسن والحسين. "لا نعرف من وقف الأراضي للحسين، فقط نعرف أنها أرض الحسين"، "أرض الحسين مبهومة ولا يعرف واهبها"، هكذا يجيب أهالي جد الحاج حتى كبار السن منهم، حول سؤالنا من الذي وهب؟. لكنهم يعرفون مسوِّغ الوهب ويدينون له، "لولا الوقف، لما حفظت أراضي جد الحاج، ولما بقي لأهلها فيها مكان". هذا الوقف هو ما جعل من مأتم جد الحاج أغنى ثاني مأتم في البحرين بأوقافه الكثيرة المنسوبة إليه، والتي تبلغ مساحة كبيرة من أراضي جد الحاج. § نورجرفت عين "نورجرفت" في جد الحاج لها شهرتها الخاصة. الإسم أصله فارسي. قيل أن اسمها الحقيقي هو جرفت. وأنها تقع في إحدى الأراضي التي فر أهلها نحو المحمرة. تاركين وراءهم أرضهم وسكنهم. يروى أن بعض أهل جد الحاج كانوا في زيارة إلى مشهد الامام الرضا، فلما أن شاهدتهم صاحبة الأرض أو إحدى وريثاتها، ذهبت نحوهم وسألتهم عن أرضها قائلة: خبروني عن نور عيني جرفت. فصار إسم العين منذ ذاك الحين نورجرفت. تم تحوَّيط أرض نورجرفت الآن ضمن ملك خاص. بعضهم قال وهبت للأوقاف، وبعضهم قال صارت لمالك لا نعرفه. لا يعرف الجد حاجيون لمن هي الآن وكيف استملكت. لكنهم يعرفون أن "بها زراعة بسيطة وعين تؤجر ومصنع للدجاج". أو هكذا يرونها من الخارج. اطلع بروفايل على سجل السيد صالح الموسوي للأراضي الموقوفة، لكن لم نعثر على نيوجرفت ضمن الأراضي الموقوفة بسيحة جد الحاج. هي ملك خاص إذن. لكن لمن؟ لا أحد يعرف. § استملاك الرمل لا تنتهي حكايات استملاك القوة في جد الحاج. بعضها متناقل متوارث، وبعضها مشاهد معاش. ينقل الحاج عيسى الشوال عن ما شهده في شبابه "كان أحد الرجال ذوي القوة والنفوذ، معروف لدى الجميع في قرية جد الحاج، لكنه ليس منها. يأتي بسياح أجانب. يحصر لهم منطقة من البحر مستخدماً تريبات رمل (أكياس الرمل). يأتي السيَّاح ويستحموا في البحر. بقت المنطقة محصورة له، مختصرة لمن يأتي بهم من السياح، حتى أصبحت ملكاً له". هكذا يصبح تريب الرمل وسيلة استملاك. وحدها القوة قادرة على أن تجعل من تريب الرمل سياجاً مستلكاً يحصر ويفصل ويختصر. ليس يشبه هذا الرمل ذاك الذي كان يسير عليه الحاج عيسى الشواف، حين كان يقطع أراضي البحرين حافياً، فلا يدوس إلا رمل أرض أصيل. ليست تسير الامور دائماً بهذه الطريقة. فثمة استملاكات تأتي من الداخل لا من الخارج. قد يستعين الضعيف بالقوي أو يستقوي باسمه. يفعل ذلك لا ليصير قوة مثله، بل ليعيش. وهو أثناء استعانته تلك يضيِّع أراضٍ أو يهب أخرى دون أن يعني أو يقصد. يلقي الحاج عيسى باللوم على الناس في ضياع حقوقهم والأراضي. "الخيانة أتت منا. نحن ظلام. بلاد "أم النمل" سلبها إهمالنا. توضع الأرض في يد أحدهم ليرعاها. فيعطيها لغيره بغير حق". لكن كيف يكون هذا؟. لا يفسّر الحاج الشوال أكثر. لكن أحد شباب القرية يفسر كلام الحاج فيقول: "يقوم أحدهم برعاية الأرض، فيخاف أن تؤخذ منه، ولأن الأرض لا وثيقة لها، ولا يُعرف صاحبها، فإنه يقول هي لفلان وأنا ارعاها له. عادة ما ينسبها لصاحب قوة ونفوذ ومن خارج القرية. يموت المدّعي. ويدفن سر الأرض. تشتهر الأرض باسم فلان القوي صاحب النفوذ، فتكون له". § مختار القوة منذ أن صدر القانون الذي يمنع تسجيل الأراضي إلا عن طريق مختار القرية. لعب مختار القرية دوراً كبيراً في تسجيل الأراضي غير المعروف أصحابها. يشير أهل جد الحاج إلى أن المختار، يمثل أحياناً سلطة وقوة على أهل القرية لا إليها، يشرح أحد شباب القرية "كان المختار يحاول التقرب من أصحاب القوة والنفوذ، فيدلهم على الأراضي الحيوية في القرية. يضع ايديهم على الأراضي الزراعية التي تتمتع بموقع ممتاز. يمكِّنهم من الأراضي الهامة غير الهاملة. وعندما يأت أحد أهل القرية يريد أن يسجلها باسمه، يقول له المختار أنها مسجلة باسم فلان (ذو القوة والنفوذ)". تبقى القوة هي نفسها في كل الأحوال إذن، الفرق حين تأت القوة لتستملكنا مرة، أو حين نأت بها نحن لنُستملك بها حيناً أخرى. ربما لا فرق بين الاستملاكين سوى ما يخرج منا أو ما يدخل إلينا. أو هو الفرق ببين أن نمشي حفاة مطمئنين أو بنعال خائفين. [1] الشيخ محمد علي التاجر. عقد اللآل في تاريخ أوال. [2] جاد الكريم الجباعي. غطرسة القوة
أضف تعليقا
من البحرين

العزيزة ذات الفراش الهامل،
الوطن أهم من الدولة ،
الدولة أهم من الحكومة ،
الإنسان البحريني هوأهم القضايا أولاَ وأخيراَ .
حين لا يكون الوطن هو المتسع لنا ببره وبحره،حينها "نعلن موت الوطن" .. وحينمالا تكون الدولة المؤسسة التي تنصهر فيها المؤسسات وتتناغم معها فتكون وحدة متنوعة لسلامة الكيان الاجتماعي العام ، حينها نعلن أنها "دولة فاشلة" ..ولكن ؛ حين تعبر الحكومة عن "أيديولوجية "، أي عن أفكار بنّاءه ومخططات تجعل من الدولة حقل عمر مستمر ولا تتجاوز مفهوم الإنسان، وإن عبرت بغير ذلك فلا أخلاقية لها ..!
.. دمت أنت ودفافك الأروع ..
ازاميل
من البحرين

مرحباً فاطمة..
القوة تثبت ما لا يثبت. القوة حق بالقوة. القوة استملاك بالقوة.
باسمة
من البحرين

العزيزة أزاميل
القوة تحيل الوطن مستودع قطيع يملكه (لا يحكمه) راع.
القوة حقل مخططات تخطط لـ(موت الانسان). تحيا القوة بقتل إرادة الانسان، وتموت بحياة الانسان وحركته ونطقه.
باسمة
باسمة ...
ليس لدي ما أقوله ولكن اسمحي لي أن اهنئك على هذا الطرح المميز !
من البحرين

شكراً حلا..
وجودك يجعل هذا المكان أكثر تميزاً
باسمة
شكرا على الابحاث المستمرة
يعجبني استخدامك للمصطلحات القرانية في طريقة ابداعية لا تشعر القارئ بالتكلف والصعوبة وتزيد المعني قوة وفصاحة.
ربما كان في هذا الملف استخدام ايات من قبيل
{ اخلع نعليك } او ربما العكس البس نعليك !
وربما {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه }
ام النمل ومنهو ابو النمل ؟ :-)
تحياتي
من البحرين

مرحباً حامد..
لقد ألفتَّني إلى ما لم ألتفت إليه أنا نفسي..
هي عينك التي نفذت إلى عمق جميل..
شكراً لحضورك..
باسمة
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












من البحرين
يقول محمد أركون أنه شمال أفريقيا ليس بشمال واحد فالجزائر مختلفة عن تونس وتونس مختلفة عن ليبيا فالجغرافيا تؤثر في صفات الناس
وأنا أقول أنه الخليج العربي ليس بخليج واحد هو خليجان
الساحل المتمثل بإقليم البحرين التاريخي
والداخل المتمثل في الصحراء
هما خليجان فليش مايكون لنا حلم دولة البحرين التاريخية التي تضم الساحل أقليم البحرين جزيرة البحرين بالإضافة للإحساء والقطيف فالكيل طفح وأثبتت القبيلة أنها لا يمكن أن تحكم الساحل
مع السلامة