"أوقفتني الساحرة وقالت لي: ليس الكلام في الكتب، الكلام في الناس". قاسم حداد يحدثنا جبران خليل جبران عن مسافرٍ مشَّاء على طريق مدينة زاآد. يشهد حقل واسع على الطريق، فيستثيره أن يعرف شيئاً عن تاريخه. كلما مر عليه أحد من الجوار استوقفه يسأله عنه، فيجيبه جواباً مختلفاً عن الآخر، نافياً أن يكون ثمة تاريخ مرّ على هذا الحقل، غير التاريخ الذي يعرفه مما نقله له أجداده وآباءه. يتعجب المسافر ويتابع مشيه، حتى يجد طاعناً في السن، فيسأله: لقيت على هذه الطريق ثلاثة رجال يقيمون في الجوار، كل واحد نفى ما قاله الآخر، ويروي حكاية جديدة لم يذكرها الآخر! يرفع الشيخ رأسه ويجيب: كل واحد أخبرك في الحقيقة عما كان، لكن قلة من الناس يقدرون إضافة الواقع إلى الواقع، ليؤلفوا من ذلك حقيقة. عندما مشى بروفايل مسافراً نحو ملف استملاك الأراضي، لقى في طريقه المتعثر حقول واسعة ومساحات. مساحات من الأراضي والكلام. كلام في الناس، لا في الكتب. لكن هذه الحقول هي مساحات ملغَّمة (نسبة إلى "عبارات ملغَّمة"، تلك التي يطيب لمدير تحرير الوقت رشاد أبو داوود أن يطلقها على عبارات بروفايل مازحاً)، لا تجيز لك تلك المساحات أن تشير لها إلا رمزاً، وكأن في فمك ماء. كلما مشينا ميلليمتر حركة، أوقفتنا الأراضي، والحكايات التي في الناس. أوقفنا تاريخ استملاك الأراضي في قرية جد الحاج، ثم قرية الفارسية المندثرة. نسأل الناس الذين هم في الجوار والذين هم في ذات المكان، نسأل عن الأرض التي كانت، وعن البحر الذي كان، وعن القرية التي كانت، وعن النخل والعين والدالية والبستان والجوبار، وعن الإنسان الذي كان. لم تتضارب الإجابات، كما حدث مع مسافر زاآد، ولم ينف بعضها بعضاً، ولم يرو كل واحد حكاية جديدة تخالف الأخرى. لم نسمع كلاماً يقول: "لم يكن هنا ثمة....". بل كلٍّ يقول: نعم كان هنا ثمة نخل، ثمة أرض، ثمة بستان، ثمة مُلك، ثمة وقف، ثمة قرية، ثمة إنسان. الكلام الذي في الناس (لا الكلام الذي في الكتب)، يقول تاريخ هذه الـ(ثمّة)، وكيف تغيّرت إلى (ثمَة) أخرى، فغيّرت وجه المكان وتاريخ المكان وإنسان المكان. كل إجابة توقفنا، تضيف من واقعها إلى واقع الإجابة الأخرى ما يُصْدِقُها، تضيف روايتها إلى تاريخ الرواية الأخرى ما يثريها، تضيف ماضيها إلى حاضر الأخرى، ما يؤلف من كل ذلك حقيقة خاصة. حقيقة ليست في الكتب، بل في الناس. حقيقة محفوظة في قلوب الناس لا في قوة الكتب. توقفنا هذه الحقيقة، كما أوقفت قاسم ساحرته. تقول "لا تكلمهم إلا رمزاً، ففي ذلك نعمة لهم، ورحمة عليك". لكنها من جهة أخرى تفصح بالرمز مثل اللغة، فحروفها كلها مكشوفة.
أضف تعليقا
من فلسطين

موضوع جميل صديقتي العزيزة......
دمت بكل محبة ....
اخوك وصديقك المحب....
الجرح النازف من فلسطين...
من البحرين

المبدعة باسمة،
وقد نعبر لنقول ذات يوم
كانوا هنا..
ولا زالوا لأنهم تركوا مل لم يتركوه الآخرين..
ليتنا نعي أن إضافة الواقع إلى الواقع، ذاك يؤلف حقيقة..
دائما كتاباتك تحي الاحرف بها
ويحتضر المألوف
دمت بخير
حسن
من البحرين

مرحباً حامد مرة أخرى..
نسأل عن القوة التي كانت حاضرة البحر والزرع.. ولا زالت حاضرة..
باسمة
من البحرين

مرحباً بك الجرح النازف..
ثمة جروحات تنزف هنا، ولا تتوقف..
لكن ثمة وقفات من الأصدقاء تخفف ما لا يقف..
دمت بخير
باسمة
من البحرين

العزيز دوماً حسن..
ليس مثل إضافة الواقع إلى الواقع حقيقة تقولنا..
تحياتي لحرفك النابض بحقيقته..
باسمة
من البحرين

تسلم ايدك يا باسمة، كتاباتك رائعة كعادتها وحقائقك "الملغومة" وان جاءت رموزا وسط سطورك أو على لسان مصادرك، إلا أنها تظل دائما الأبلغ والأقرب!!
من البحرين

أهلين منصورة..
تنطق الحقائق بالرمز مثل اللغة، وربما أكثر بلاغة منها..
شكراً لمرورك من هنا.. ودمت
باسمة
من قطر

أختي الفاضلة باسمة :
تبقى للرمز دلالاته القوية و يكمن فيه قوة التعبير أكثر من الصريح الجلي فيغني عنه بإيحاءات تومض من بين السطور بالكثير حتى و إن كانت رمزا.
دمتِ بعبقك معطرة جيران برموز كلماتك
أختك
من البحرين

مرحباً نور الزهراء..
شكراً لأن نورك أضاء أثر فراشتي..
كوني بخير
باسمة
موضوع رائع وجميل... يستحق الوقف عنده والاطلاع عليه سلمت الانامل... ولك تحيتى
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













مرة اخرى استخدامات قرانية جميلة
" نسأل الناس الذين هم في الجوار والذين هم في ذات المكان، نسأل عن الأرض التي كانت، وعن البحر الذي كان، وعن القرية التي كانت، وعن النخل والعين والدالية والبستان والجوبار، وعن الإنسان الذي كان. "
{واسالهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر }
ننتظر ملفات ساخنة أخرى جريئة ومشوقة .
سلامي